فهرس الكتاب
وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق، وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد، وقال للصديق: اعزله فإن في سيفه رَهقًا، فقال أبو بكر: لا أشيم سيفًا سلَّه الله على الكفار، وجاء متمم بن نويرة، فجعل يشكو إلى الصديق خالدًا، وعمر يساعده، وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي، فوداه الصديق من عنده [1] ,وهذه الرواية قد رواها ابن كثير في البداية والنهاية والطبري في تاريخيه وابن الأثير وقبلها الأستاذ صادق العرجون ورواها الدكتور المحقق محمد علي الصلابي.
وقد قام الصديق بالتحقيق في مقتل ابن نويرة وانتهى إلى براءة ساحة خالد من تهمة قتل مالك بن نويرة [2] ،و أبو بكر في هذا الشأن أكثر اطلاعًا على حقائق الأمور، وأبعد نظرًا في تصريفها من بقية الصحابة، لأنه الخليفة وإليه تصل الأخبار، وهو في معاملته لخالد يحتذي على سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ أنه عليه الصلاة والسلام، لم يعزل خالدًا عما ولاه في الوقت الذي كان يقع منه ما قد لا يرتاح له، وكان يعذره إذ يعتذر، ويقول: لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار [3] ." [4] "
اختلفت الآراء في مقتل مالك بن نويرة اختلافًا كثيرًا: أقتل مظلومًا أم مستحقًا، أي أكافرًا قتل أم مسلمًا؟
-ومن الرواية السابقة يظهر ما يلي:
"هذه الرواية قريبة القبول لأنّها تذكر جهة الردة التي باء بها مالك بن نويرة ومن اتبعه من قومه وهي امتناعه عن الزكاة, وهذا موافق لأصل السبب الذي التوى من جهته عامة العرب في هذه الفتنة, والذي بدأ به موقف مالك بتفريقه ما جمع في يده من صدقات قومه"ومن هنا استقى خالد حجته على مالك بن نويرة في مجادلته حيث قال: أما علمت أنّ الصلاة والزكاة معًا , ولا تقبل واحدة دون الأخرى؟ فرد مالك: قد كان صاحبكم - يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك , وهذه كلمة لا تخرج من صدر سليم الإيمان , ولكنها نفثة من نفثات النفاق أو فلتة من فلتات الكفر البواح, غير أنّ خالدًا لا يسرع إلى قتل رجل بأمر قد يشتبه علي بعض سليمي الصدور من المؤمنين , فمد إلى مالك حبل المجادلة حتى استبان له امره , ولم يبق نفسه في نفسه موضع للشك في ردته فأبرم العزم على قتله ,ولم يرض أن يستأني به كما استأنى بقرة بن هبيرة وعيينة بن حصين ويرسله
(1) البداية والنهاية (6/ 327) .
(2) الخلافة والخلفاء الراشدون للبهنساوي، ص112؛ الخلفاء الراشدون للنجار، ص58.
(3) فتح الباري (7/ 101) .
(4) انظر عصر الخلفاء الراشدين (1) ,أبوبكر الصديق رضي الله عنه شخصيته وعصره ,للدكتور علي محمد الصَّلاَّبي ص 311 - 316