فهرس الكتاب
عن ولاية العراق وسعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة وغيرهم, وليس ذلك قدحًا بإيمانهم أو قدحهم فيهم ولكن عمر بفطنته كان دومًا يختار الوالي المناسب في المكان والزمان المناسبين.
-إن غاية ما فعله عمر هو عزل خالد بن الوليد عن القيادة العامة للجيش وتولية أبي عبيدة ,ولكن أبا عبيدة قد ولى خارج ولاية دمشق ثم جعله أميرًا على قنسرين فبقي خالد بن الوليد - رضي الله عنه - وأقره على ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ولم تنقطع العلاقة المباشرة بين الفاروق عمر - رضي الله عنه - وبين خالد بن الوليد - رضي الله عنه - فقد ذكر ابن القيم رحمه الله: أن خالد بن الوليد بعث وبرة الصليتي من الشام إلى عمر قال فأتيته وعنده طلحة والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف متكئون في المسجد فقلت له إن خالد بن الوليد يقرأ عليك السلام ويقول لك إن الناس قد انبسطوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فما ترى, فقال عمر: هم هؤلاء عندك. قال: فقال عليّ: أراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون فأجمعوا على ذلك فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا، فضرب خالد ثمانين وضرب عمر ثمانين [1] . فمن هذا الأثر وغيره نستدل على عدم تهميش عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد في عهده بل كان خالد أحد ولاة عمر رضي الله عنهما.
-كان عمر يرى أن فترة تأليف القلوب، وإغراء ضعفاء العقيدة بالمال والعطاء قد انتهت، وصار الإسلام في غير حاجة إلى هؤلاء، وأنه يجب أن يوكل الناس إلى إيمانهم وضمائرهم، حتى تؤدي التربية الإسلامية رسالتها في تخريج نماذج كاملة، لمدى تغلغل الإيمان في القلوب، بينما يرى خالد أن ممن معه من ذوي البأس والمجاهدين في ميدانه من لم تخلص نيتهم لمحض ثواب الله، وأن أمثال هؤلاء في حاجة إلى من يقوي عزيمتهم، ويثير حماستهم من هذا المال [2] ،كما أن عمر كان يرى أن ضعفة المهاجرين أحق بالمال من غيرهم، فعندما اعتذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد قال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس [3] ،ولا شك أن عمر وخالدًا مجتهدان فيما ذهبا إليه ولكن عمر أدرك أمورًا لم يدركها خالد رضي الله عنهما [4] .
-إن من كمال الصديق توليته لخالد واستعانته به، لأنه كان شديدًا لليعتدل به أمره، ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسده، ومجرد الشدة تفسده، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برَّز بها على عمر وغيره فجعل الله فيه الشدة مالم يكن فيه قبل ذلك، وأما عمر فكان شديدًا في نفسه، فكان
(1) أعلام الموقعين (1/ 211) .
(2) أباطيل يجب أن تحمى من التاريخ ص134.
(3) البداية والنهاية (7/ 115) .
(4) التاريخ الإسلامي (11/ 147) .