الصفحة 86 من 97

للناس: إن أمير المؤمنين استعملني على الشام حتى إذا كانت بثنية [1] ، وعسلًا عزلني فقام إليه رجل فقال: اصبر أيها الأمير، فإنها الفتنة فقال: خالد: أما وابن الخطاب حي فلا [2] ، وهذا لون من الإيمان القاهر الغلاب، لم يرزقه إلا المصطفون من أخصاء أصحاب محمد ?: فأية قوة روحية سيطرت على أعصاب خالد في الموقف الخطير؟ وأي إلهام ألقي على لسان خالد ذلك الرد الهادئ الحكيم [3] ,ورحل خالد إلى المدينة فقدمها حتى لقي أمير المؤمنين، فقال عمر متمتلًا: صنعت فلم يصنع كصنعك صانع وما يصنع الأقوام فالله يَصنعُ [4] .

وقال خالد لعمر: لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري غير مُجمل

يا عمر، فقال عمر: من أين هذا الثراء؟ قال: من الأنفال والسُّهمان، ما زاد على الستين ألفًا فلك، فقوم عمر عروضه فخرجت إليه عشرون ألفًا، فأدخلها بيت المال, ثم قال: يا خالد، والله إنك علي لكريم، وإنك إلي لحبيب، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء [5] ،وكتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدًا عن سُخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة [6] ." [7] "

الرد هذه الشبهة بعون الله:

إنّ سبب العزل الثاني بسبب خشية افتتنان الرعية به:

"ففي قول عمر رضي الله عنه: ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، يظهر خشية عمر من فتنة الناس بخالد وظنهم أن النصر يسير في ركاب خالد؛ فيضعف اليقين بأن النصر من عند الله سواء كان خالد على رأس الجيوش أم لا، وهذا الوازع يتفق مع حرص عمر على صبغ إدارته للدولة العقائدية الخالصة وبخاصة وهي تحارب أعداءها حربًا ضروسًا متطاولة باسم العقيدة وقوتها، ... [8] ."

-اختلاف النظر في صرف المال كما مر معنا في الرد على الشبهة السابقة وأضيف: فعن مالك بن أنس، أن عمر لما ولي الخلافة كتب إلى خالد ألا تعطي شاة ولا بعيرًا إلا بأمري، فكتب إليه خالد إما

(1) البثنية قيل المراد: حنطة منسوبة إلى بلد بالشام وقيل الناعمة من الرملة اللينة.

(2) خالد بن الوليد، صادق عرجون ص347، الكامل في التاريخ (2/ 156) .

(3) خالد بن الوليد، صادق عرجون ص347.

(4) تاريخ الطبري (5/ 43) .

(5) تاريخ الطبري (5/ 43) .

(6) تاريخ الطبري (5/ 43) .

(7) انظر فصل الخطاب في سيرة ابن الخطاب, الدكتور علي محمد الصلابي, ص 359 - 368.

(8) الدولة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين، حمدي شاهين ص149.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت