الصفحة 40 من 50

إن الشرع لم يمنع من البيوع والمعاملات إلا ما اشتمل على ظلم وهو أساس تحريم الربا والاحتكار والغش ونحوها, أو خشي منه أن يؤدي الى نزاع وعداوة بين الناس وهو أساس تحريم الميسر والغرر.

فالمنع في هذه الأمور ليس تعبديًا بل هو معلل ومفهوم وإذا فهمت العلة فإن الحكم يدور معها وجودًا وعدمًا وهذا مستنبط من القاعدة الفقهية الأحكام ذوات علات فإذا انتفت العلّة انتفى الحكم.

وهذا هو الأصل في باب المعاملات بخلاف باب العبادات فالأصل فيه التعبد وامتثال المكلف لما هو مطلوب منه دون بحث عن العلّة أو المصلحة.

وبناء على أن الأصل في المعاملات النظر إلى المصلحة رأينا بعض فقهاء التابعين قد أجازوا التسعير مع ما ورد فيه من الحديث إلتفاتا إلى العلة والمقصد.

ومثل ذلك إجازتهم عقد الاستصناع مع أنه بيع معدوم نظرًا لحاجة الناس إليه وجريان العمل به وقلة النزاع فيه. بيع المرابحة د. القرضاوي ص 18.

توضيح: عقد الاستصناع، وهو: أن يتعاقد شخص مع صانع على أن يصنع له كرسيًا - مثلًا - بمبلغ وقدره مائة ريال بشروط معينة -، فهذا لا يجوز؛ لأنه بيع معدوم، لكن عدل الفقهاء عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو: جواز هذا العقد؛ نظرًا لتعامل الأمة به من غير نكير، فصار إجماعًا.

الخامس: إن القول بجواز هذه المعاملة فيه تيسير على الناس: فمن المعلوم أن الشريعة الاسلامية قد جاءت برفع الحرج عن الناس والتيسير عليهم وقد تضافرت النصوص الشرعية على ذلك فمنها قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} النساء 28. وقوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} البقرة 185 وقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} الحج الآية 78.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن: (( يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ) )رواه البخاري وغيره. وقوله عليه الصلاة والسلام )) إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين (( رواه البخاري وغيره.

وإن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق رعاية لظروفهم وما غلب على أكثرهم من رقة الدين وضعف اليقين وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم والمعوقات عن الخير, ولهذا كان على أهل الفقه والدعوة أن ييسروا عليهم في مسائل الفروع على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول.

وليس معنى هذا التيسير أن نلوي أعناق النصوص المحكمة أو نجتريء على القواعد الثابتة, ولكن المعنى المقصود بالتيسير هو أن نراعي مصالح الناس وحاجاتهم التي جاء شرع الله لتحقيقها على أكمل وجه. بيع المرابحة د. القرضاوي ص18.

السادس: قالوا يجوز أن يكون الوعد لازمًا للمتعاقدين في بيع المرابحة للآمر بالشراء: لأن الوفاء بالوعد واجب ديانة ويجوز الإلزام به قضاءً وهذا قول جماعة من أهل العلم منهم ابن شبرمة حيث قال: (الوعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت