ويشير الإمام محمد عبده إلى أن الفلاسفة والعلماء الذين اكتشفوا كثيرًا مما يفيد في راحة الإنسان، أعجزهم أن يكتشفوا طبيعة الإنسان، ويعرضوها عليه، حتى يعرفها ويعود إليها. هؤلاء الذين صقلوا المعادن حتى كانت من الحديد اللامع المصفى، أفلا يتيسر لهم أن يحلوا الصدأ الذي غشي الفطرة الإنسانية، ويصقلوا تلك النفوس حتى يعود إليها لمعانها الروحي؟ فالدين هو الذي كشف الطبيعة الإنسانية، وعرفها إلى أربابها في كل زمان، ولكنهم يعودون، فيجهلونها، وأن العقدة النفسية الكبرى في أعمال النوع البشري، قد تتلخص في كلمتين:"المخاوف المجهولة"وإن الشفاء في تلك العقيدة، يتلخص في الإيمان لأنه أمان وائتمان.
ويصور جون كارل فلوجل في كتابه (الإنسان والأخلاق والمجتمع) عجزت العلوم الحديثة عن الوصول إلى الحقيقة، فيقول: إن موقف علم النفس الآن أشبه بموقف الطبيب يشاهد مريضًا بين الموت والحياة دون أن يستطيع تشخيص ###24### الداء عن طريق الحدس والتخمين، وإن مكتشفات التحليل النفسي ونظرياته في ميدان الغريزة الجنسية، قد صدمت شعور كثير من الناس، فهم يشعرون أن علماء النفس حين يحاولون فهم البواعث التي ترتكز عليها القيم الخلقية والدينية، قد يحطمون هذه القيم عينها، بل لعلهم يعملون فعلا على تحطيمها.
وحذر فلوجل من نتائج هذه الأبحاث، وخاصة ما يتعارض منها مع النظم والعقائد، وقال: ربما كان علماء النفس هم أنفسهم من المصابين بتلك العقد التي يحلو لهم الحديث عنها، ولذلك جاءت معظم أحكامهم مشوبة بالهوى، قائمة على معرفة مبتسرة.
وقال: إن علم النفس علم مهمته مقصورة على وصف حقائق الحياة العقلية وتصنيفها؛ فلا شأن له بالقيم ذاتها.