فهرس الكتاب
#### 12- كذلك حاول المنهج الغربي الوافد أن يخضع الأدب العربي لأسلوب فصل العصور السياسية، وهو أسلوب عرفته الآداب الأوروبية، وربما كان يتفق مع طبيعتها وظروفها؛ ولكنه حين يطبق على الأدب العربي تأتي بنتائج غاية في الاضطراب والفساد، فالوحدات الأوروبية المتعددة المنفصلة كل منها عن الأخرى انفصالا سياسيًا وتاريخيًا ولغويًا من حيث استغلال كل منها بلغته الخاصة، قد اقتضى هذا المنهج خاصة بالنسبة للحدود الضيقة، ولأول عصر الانفصال عن اللغة اللاتينية، وهو لا يتجاوز ثلاثة قرون أو أربعة.
أما الأدب العربي المتصل في هذه البقعة على امتدادها، المترابط بين أجزائها إلى أكثر من أربعة عشر قرنًا، فإنه لا يتفق له مثل هذا المنهج؛ ومن شأن تطبيقه أن يعجز عن تحقيق أي نتائج علمية، ذلك أن الأدب العربي تميز بخاصتين عظيمتين باين فيهما آداب هذه الوحدات الأوروبية وغيرهما، فامتنع بتلك المباينة إمكان إخضاعه لما خضعت له من قانون، أما أحدها فما انبسط له من أوطان ترامت ما بين بلاد الغال في الغرب إلى تخوم الصين في الشرق، وأما الأخرى فطبيعته الخاصة ومناشئه وينابيعه الدافقة بما يمنحه من استقلال الشخصية وحماية وجودها بالصمود أمام الأعاصير، والقدرة #### على التأثير في مجاري أحداث الحياة؛ ولما كانت الأحداث تمضي متلاحقة ومتلازمة بالضرورة تلازم أجزاء الزمن الذي تحدث فيه، نشأ كل حدث، وهو منفعل بأسباب وعلل متقدمة، فما يكون في يومنا من حادث فلأحداث الأمس الدابر أثر في حدوثه، ومن شأن تقسيم الأدب إلى عصور أن يضيف إلى عهد لاحق نتاج عصر سابق، حمل في أعماقه كل عوامله ومؤثراته وخصائصه.