رابع عشر: وهكذا قدم المسلمون على أساس العلم الحديث، وأقدموا فتوحات واسعة في مختلف أرجائه وجوانبه، وقد كان كشف سنن الكون ونواميسه على أيديهم أول الأمر مستمدًا من فهمهم للقرآن ومن إيمانهم بالله، ثم جاءت عملية الملاحظة والتجريب، وعلى هذا الطريق سار العلم الحديث، وقد اعترف الغربيون في صراحة ووضوح بأنهم أخذوا هذه الطريقة من علماء المسلمين، وكل ما وصل إليه العلم الحديث إنما قام على منهج التجربة والملاحظة والاستقراء الذي قدمه المسلمين، ولم يبتكروا منهجًا آخر وإنما حسنوا الأساليب والأدوات، ومعنى هذا أن نتاج العلم الحديث كله جاء عن طريق منهج القرآن غير أن الخلاف هو في أمر واحد، هو أن الغرب حجب الصانع الأصلي وصاحب القوانين، ونسب الكشوف إلى الإنسان وحده، كما أنه اعتبر هذه القوانين مستحيلة النقض، وبذلك عجز عن فهم قدرة صاحب القوانين في نقضها وتغييرها وذلك حين رفضوا ###86### الاعتراف بعالم الغيب الذي تبين من بعد أن له صلة ضخمة بما وصل إليه العلم، وأن هناك جوانب كثيرة لم يستطع العلم أن يضع يده عليها، ولذلك فإنه حين يقول بحتمية القوانين الطبيعية، إنما يتجاهل هذه الجوانب الغيبية الخافية عليه، وينسى قدرة الله سبحانه واضع القوانين والذي إليه وحده القدرة في خرقها.