خامس عشر: كرم الإسلام العلم والعلماء، ورفع القرآن من شأن العلم والعلماء، وفتح الأبواب للاستزادة من العلم، ومن هنا كانت انطلاقة المسلمين العلمية إلى التقدم في مجال الفكر والحضارة، ورحل علماء المسلمين إلى أقصى الأرض باحثين عن العلوم متنافسين فيها، وسار قادة المسلمين على سنة نشر العلم وإعزاز أهله، والبذل لهم، وبناء المدارس وخزائن الكتب، بينما أدخلت أوروبا العلماء في زمرة المارقين من الدين، وقدمتهم لمحاكم التفتيش، يقول العلامة مشعر: إن الغربي إذا صار عالمًا، ترك دينه بخلاف المسلم، فإنه لا يترك دينه إلا إذا صار جاهلا، ولم يرتق العلم في أوروبا إلا بفصل الدين عنه، بينما العكس في الإسلام، فإن قيمه لم تكن حائلة دون البحث والنظر، بل كانت مصدرًا من مصادره، وقد حدد الإسلام موقف ###87### العلم، فجعله في إطار العقيدة، وجهله خالصًا لإسعاد الإنسانية، ويقول إتيان دينيه: لقد لبثت أوروبا ثلاثمائة سنة تقتبس من الإسلام اللغة والعلوم، ويقول العلامة درابر: تأخذنا الدهشة أحيانًا عندما ننظر في كتب المسلمين، فنجد آراء كنا نعتقد أنها لم تولد إلا في زماننا كالرأي الجديد في ترقي الكائنات العضوية وتدرجها في كمال أنواعها، فإن هذا الرأي كان مما يعلمه المسلمون في مدارسهم، وكانوا يذهبون إلى أبعد مما ذهبنا، فكان عندهم عامًّا يشمل الكائنات العضوية والمعادن، والأصل الذي بنيت عليه الكيمياء عندهم هو ترقي المعادن في أشكالها. ويقول فون كريمو: إن العقل الإسلامي يبدو في ذروة نشاطه حين يكون في حقل المعرفة التجريبية، يباشر دراسته في ضوء الملاحظة والاختبار، فالعرب يبدون نشاطًا يثير الدهشة حين يقومون بملاحظة الظواهر وتمحيصها وجمعها وترتيب ما هدتهم إليه التجربة، ولما كانوا أصحاب ملاحظة دقيقة، وأهل تفكير مبدع أصيل، حققوا في مجالات الرياضيات والفلك إنجازات رائعة، ويقول سيديو: الحركة العلمية عند العرب تتميز بالانتقال من