رابعًا: جمع الفكر الإسلامي منذ البدء بين النظرة العقلية التأملية وبين الممارسة العلمية، وكان أغلب الفلاسفة أطباء ورجال أعمال، وكان الحافظ وهو أديب يجري تجارب تشريحية على الحيوان، وقد قام العلماء بممارسة صناعة الطب واكتشاف الأحماض المختلفة، وكان هذا خروجًا تامًا على المنهج اليوناني، منهج التأمل إلى الممارسة العلمية، وهو منهج التجريب، وبذلك استطاع العالم المسلم أن يدرس الظاهرة الموضوعية دراسة علمية لتحديدها تحديدًا كميًا. برز هذا الوعي العلمي عند البيروني وجابر بن حيان، وكان هذا خروجًا مباشرًا على منطق أرسطو، وأصبحت عملية"التجريب العلمي"لا التأمل المنطقي هو سبيل المعرفة، وهذا هو التحول التاريخي الخطير الذي أحدثه الإسلام في ###72### العالم كله منذ ذلك اليوم، فدخلت به البشرية مرحلة التغير الصناعي والتحول الحضاري للعصر الحديث.
وكان أبرز ما حصل عليه علماء المسلمين رابطة العلة بين الأشياء كأساس للمعرفة العقلية، وهي جوهر القوانين والنواميس والسنن، وعلى هذه الرابطة العلمية بين الأشياء تقوم التجارب، سواء في ميدان الظواهر الطبيعية أو الاجتماعية على السواء، وبهذه الرابطة فسر ابن خلدون حركة التاريخ وتطور العلاقات البشرية، وعلى هذه الرابطة أقام البيروني والرازي وجابر بن حيان وابن سينا تجاربهم. ومن هذه النقطة الحاسمة برزت نظرة إلى الكون والكائنات، فيها نواة نظرية التطور: تطور الكائنات، وبهذه النظرة اختلف الفكر الإسلامي اختلافًا كبيرًا عن الفكر اليوناني، وتناقض معه في مختلف فروع الثقافة من علم وأصول وفقه وفلسفة عقلية ونظرة إلى الإنسان، وكان هذا الخلاف نتيجة طبيعية لاختلاف التكوين الاجتماعي للحضارة الإسلامية والحضارة اليونانية، وبذلك تكشف جوهر الحضارة الإسلامية، وهو جوهر عقلي عملي تجريبي حي قوامه قاعدة عريضة:"لا تجربة بغير استدلال عقلي".