الصفحة 104 من 583

واضمحلال شأن المعارضين.

وبين هذه الانطلاقة، وهذه النهاية، سلسلة من المتاعب، والجهود، والتضحيات الجسام، والدماء، والدموع، والآلام، وقدر كبير ضخم من الأحداث، والوقائع، ما بين ضعف وقوة، ونصر وهزيمة، وفرح ومصيبة.

ولكن المطالع لتلك الأحداث يستطيع أن يرسم خطًّا تصاعديًّا - من حيث الجملة- لحركة الدعوة النبوية، يتبين من خلاله بعض الملامح البازة، والخطوط العريضة لتصاعد حركة الإسلام.

وقد سارت الدعوة بخطوات متتالية، يندفع بكل خطوة منها قدر من الغربة، ويتحقق قدر من التمكين والاستقرار، حتى اندفعت الغربة بالكلية بفتح مكة، وإحكام السيطرة الإسلامية على جزيرة العرب، ونزل قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) [1] . حيث كمل الدين، وتمت النعمة، وهذا يعني زوال الغربة، واكتمال الأمر من الناحية التشريعية، ومن الناحية الواقعية.

وسأعرض - فيما يلي- لأهم الخطوات المتسلسلة في حركة الدعوة، ثم أحاول عرض بعض العوامل التي أدت إلى التمكين ودفع الغربة.

فأما الخطوات، فأهمها ما يلي:

1 -الجهر بالدعوة:

فبعد أن مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين يدعو إلى الله سرًّا من يثق به من قرابته وأصدقائه، أمره الله تعالى بإنذار عشيرته الأقربين، فأنذرهم، ثم أمره أن يصدع بالدعوة، فصدع بها بين ظهرانيهم، فصعد صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا؛ لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش،

(1) سورة المائدة: آية 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت