للدعوة - في الوقت نفسه- تقدمًا آخر.
فالمعركة بين النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وبين شيوخ الوثنية وزعمائها باتت مكشوفة، يراها الناس في مكة، ويتناقلون أخبارها في كل مكان. وهذا -بحد ذاته- مكسب عظيم للدعوة، ساهم في تحقيقه أشد وألد أعدائها، ممن كانوا يشيعون في القبائل قالة السوء عنها، فليس كل الناس إمّعات يأخذون دعوى القرشيين مأخذ التسليم، ولابد أن يوجد من شتى القبائل من يتنطّس الأخبار، ويتحرى الصواب، فيظفر به.
ولقد كان تناقل الناس للأخبار مشافهة هو أهم وسيلة إعلامية في ذلك العصر، فكان من نتيجة إعلان الدعوة، وما تبعه من استفادة من المجالات العلنية المتاحة، أن سمع القاصي والداني بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم [1] ، وفرض هذا الحدث المفاجيء نفسه على الواقع، وصار هو حديث الساعة -كما يقال-، ومهما يكن من تباين مواقف الناس إزاء هذا الحدث، إلا أن هذا الدين الذي نزل ليحكم الدنيا كان لابد له من الصدع والإعلان، ومما بعد الصدع والإعلان.
فهذا الإعلان كما كان نتيجة وثمرة للجهود السابقة التي بذلها الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، فهو كذلك تمهيد طبعي للخطوات التالية له، والتي منها كسر الحصار المفروض على الدعوة، والانتقال بها إلى مواقع جديدة، قد تمثل ذلك في العرض على القبائل، والخروج للطائف، وهجرتي الحبشة.
لقد كان أولى الناس بتوجيه الدعوة إليهم: قريش، وأهل مكة -وبالأخص عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم الأقربين- فوجه إليهم الدعوة من خلال هذا المنبر العلني، أنذرهم عذاب الله وبأسه إن لم يؤمنوا.
فلما أبوا ونفروا وصخبوا في وجه الدعوة وغالبوها؛ خطّط الرسول صلى الله عليه وسلم لنقل الدعوة إلى مكان آخر تستقر فيه وتنطلق منه،
(1) سبق ذكر نماذج من ذلك في قصة ربيعة بن عباد الديلي، وطارق بن عبدالله المحاربي، وجابر بن عبد الله، وشيخ من بني مالك بن كنانة رأى النبي صلى الله عليه وسلم ... وذلك في الفصل الأول، المتعلق بأسباب الغربة.