(د) ومنها أن اختيار الجزيرة العربية -ومكة بالذات، ثم المدينة- لنزول الوحي وانطلاق الدين لم يكن أمرًا اتفاقيًّا؛ بل كان لمميزات كثيرة -سيمر ذكر بعضها-.
وبناء على هذا، فإن هجرة المسلمين للحبشة لم تكن تمهيدًا لانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إليها. وإنما الهدف الأول منها هو حماية المؤمنين المستضعفين من أذى قريش، ودفع غربتهم المعنوية، وتأمينهم على دينهم، كما ورد التصريح به في العديد من الروايات، ومنها رواية أم سلمة [1] .
ولا يعارض هذا أن يكون في عزم المسلمين أن ينشروا الدعوة إلى الله في أي مكان حلوا فيه، إذ إن الدعوة إلى الله جزء من الدين الذي يريدون أن يأمنوا عليه، ويبحثوا عن مكان يقدرون أن يؤدوه فيه، وينطلقوا منه إلى ما سواه، وليس المقصود تمكينهم من أداء شعائرهم فحسب.
ولقد كان لهجرتي الحبشة أثر كبير في تخفيف الغربة المفروضة على المسلمين في مكة، والإسقاط في يد قريش، خاصة حين أرسلت رسلها للنجاشي؛ لرد المسلمين إلى مكة فرجعوا بالخيبة والفشل [2] .
كما كان لهما أثر في الحط من مكانة القرشيين عند سائر العرب، إدانة موقفهم من الدعوة وحملتها، إذ كانت البيئة العربية تفتخر بإيواء الغريب وإكرام الجار، وتتنافس في ذلك، وتحاذر السبة والعار في خلافه .. فهاهم الأحباش يسبقون قريشًا ويؤوون من طردتهم وأساءت إليهم من أشراف الناس، ومن ضعفائهم، ومن غربائهم!.
وهذه كلها آثار إيجابية، لا يضير أن يوجد إلى جوارها آثار سلبية قليلة، منها: أن إيواء الحبشة للمسلمين، وطيب مقامهم بها أذكى نار الحقد لدى
(1) سبقت أكثر من مرة.
(2) انظر الروايات في رسولي قريش في: حديث أم سلمة السابق، حديث ابن مسعود في: المسند: (1/ 461) ، ودلائل النبوة للبيهقي في الهجرة الأولى إلى الحبشة: (2/ 298) ، حديث أبي موسى في المستدرك في كتاب التفسير .. سورة النساء: (2/ 309) وغيرها.