الصفحة 111 من 583

صلى الله عليه وسلم:"هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة [1] ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالِيل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب [2] ، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد! فقال ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا" [3] .

فقد رد أهل الطائف النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به ردًّا قاسيًا حتى خرج من عندهم حزينًا، ورجع إلى مكة، فذُئِرَ أهلها، وزاد حنقهم وغيظهم، حتى لم يستطع صلى الله عليه وسلم أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، بعد أن التمس الجوار عند الأخنس بن شريق وسهيل بن عمرو فرفضا [4] .

جـ - العرض على القبائل:

وبعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف، بدأ يعرض نفسه على القبائل، في المواسم، يشرح لهم الإسلام، ويطلب منهم الإيواء والنصرة، حتى يبلغ كلام الله عز وجل.

عن سالم بن أبي الجعد عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال:"ألا رجل"

يحملني إلى قومه؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" [5] ."

(1) العقبة: المشهور أنها العقبة التي بويع عندها النبي صلى الله عليه وسلم وهي التي ترمى منها الجمرة، بين منى ومكة، ولكن أنكر ذلك الزرقاني، لبعدها عن الطائف. انظر: عمدة القاري (15/ 142) ، شرح المواهب اللدنّية للزُرقاني (1/ 297) .

(2) قرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، وهو على مسيرة يوم وليلة من مكة .. انظر: الفتح: (6/ 315) .

(3) الحديث رواه البخاري في: 59 - كتاب بدء الخلق، 7 - باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء: آمين .. (4/ 81) .

وفي: 97 - كتاب التوحيد، 9 - باب: وكان الله سميعًا بصيرًا: (8/ 168) مختصرًا.

ومسلم في: 32 - كتاب الجهاد والسير، 39 - باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين، رقم (111) : (3/ 1420) .

والنسائي في سننه الكبرى: 44 - كتاب النعوت، 31 - السميع (ل:101 أ) .

وأبو عوانة في: كتاب الجهاد، بيان الشدة التي أصابت النبي صلى الله عليه وسلم يوم العقبة: (4/ 334،336،337) .

واسم ابن عبد كُلال: كنانة، والذي في المغازي أن الذي كلم النبي صلى الله عليه وسلم هو عبد يالِيل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كُلال أخوه لا أبوه، وأنه عبد يالِيل بن عمرو بن عمير بن عوف. وكان من أكابر أهل الطائف من ثقيف. انظر: الفتح (6/ 315) .

وقد روى الإمام أحمد في مسنده عن خالد بن أبي جبل العدواني رضي الله عنه أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، قال: فسمعته يقرأ: والسماء والطارق حتى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيف، فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقًّا لتبعناه: (4/ 335) .

ونسبه ابن حجر في الإصابة لأحمد ولابن أبي شيبة وابن خزيمة في صحيحه والطبراني وابن شاهين من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني عن أبيه.

وعبد الله بن عبد الرحمن: صدوق يخطئ ويهم. انظر: التقريب: (1/ 429) . والتهذيب: (5/ 298) .

أما عبد الرحمن بن خالد فقال الحسيني: مجهول، وقال ابن حجر: صحَّح ابن خزيمة حديثه، ومقتضاه أن يكون عنده من الثقات. تعجيل المنفعة: ص (248) . وانظر: الإصابة، ترجمة رقم (1428) - (3/ 52) .

(4) السيرة النبوية: لابن كثير (2/ 153) .

(5) رواه أبو داود في: 34 - كتاب السنة، 22 - باب في القرآن، رقم (4734) ، (5/ 103) .

والترمذي في: 46 - كتاب فضائل القرآن، 24 - باب: رقم (2925) ، (5/ 184) . وقال: هذا حديث غريب صحيح، وفي نسخة التحفة: حسن صحيح (2/ 175) .

والنسائي في سننه الكبرى: 44 - كتاب النعوت، 46 - كلمات الله سبحانه وتعالى: (ل 101 أ) .

وابن ماجه: المقدمة، 13 - باب فيما أنكرت الجهمية، رقم (201) (1/ 73) .

والدارمي في: 23 - ومن كتاب فضائل القرآن، 5 - باب القرآن كلام الله، رقم (3355) ، (2/ 317) .

والإمام أحمد في مسنده: (3/ 390) .

كلهم من طريق إسرائيل، حدثنا عثمان بن المغيرة، عن سالم، عن جابر.

وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي: ثقة. انظر: التهذيب (1/ 261) ، التقريب: (1/ 64) .

وعثمان هو ابن أبي زرعة الثقفي: ثقة. انظر: التهذيب: (7/ 155) والتقريب: (2/ 14) .

وسالم بن أبي الجعد: ثقة، ومضى.

فالحديث -بهذا الاسناد- صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت