الصفحة 112 من 583

وفي رواية الإمام أحمد قال:"فأتاه رجل من همدان، فقال: ممن أنت؟ فقال الرجل: من همدان. قال: فهل عند قومك من منعة؟ قال: نعم، قال: ثم إن الرجل خشي أن يحقره قومه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: آتيهم فأخبرهم، ثم آتيك من عام قابل. قال: نعم. فانطلق، وجاء وفد الأنصار في رجب" [1] .

وواضح من عرض الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يلتمس الإيواء والنصرة والحماية، وأن يجد من العرب من يمكنه من إعلان دعوته في جو آمن هادئ، وهذه خطوة كبيرة، في مواجهة غربة الإسلام وأهله.

فالمواسم التجارية ومواسم الحج تجتمع فيها قبائل العرب كافة، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض بضاعته السماوية عليهم في ملإِهم أمر في غاية الأهمية للدعوة حيث يفتح مجالًا واسعًا لنشره، ورفع شأن أهلها، وهو في غاية الإزعاج لقريش، إذ لا يبعد أن يجد من بعض القبائل آذانًا مصغية، فتستجيب لدعوته - وهذا ما حدث فعلًا-، وقريش تدرك جيدًا معنى هذا، وأنه يعني انعتاق الدعوة من القمقم الذي كبلتها فيه، وقيام دولة الإسلام التي ستنتزع منها السلطان الديني، وتحاربها حتى تؤمن بالله ورسوله، وتخضع لحكم الإسلام.

وإذا كان من الواضح علاقة العرض على القبائل بالجهر بالدعوة، فإن هذه المرحلة من علنية الدعوة، والتماس الناصر لها، هي مرحلة مهمة، وتحول كبير في مسار الدعوة؛ ولذلك خلعت قريش جلباب الحياء والمروءة يوم راح بعض رجالاتها يلاحقون الرسول صلى الله عليه وسلم في الأسواق والمواسم ويومئون إليه، ويرمونه بالكذب، ويحذرون العرب من اتباعه.

وكان من الآثار العظيمة لهذه المرحلة: لقيا الرسول صلى الله عليه

(1) المسند: (3/ 390) ، قال: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل فذكره.

وأسود بن عامر: ثقة. انظر: التهذيب: (1/ 340) ، التقريب (1/ 76) . وقد سبق الحديث من طريق أخرى عن جابر - بنحوه-، وسيأتي قريبًا بسياق طويل في خبر البيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت