وسلم للأنصار، وبيعتا العقبة، ثم الهجرة وتكوين الدولة.
3 -فرض الدعوة - بطريقة تدريجية- باعتبارها أمرًا واقعًا:
وخلال مكث الدعوة بمكة، وعلى رغم العنت الذي تلقاه هناك، ورغم الضعف والقلة والذلة، فإنها كانت تنازل الجاهلية وتصارعها، وتخطو في ذلك خطوات ثابته، هادئة، لا تعرف التراجع؛ بل تتقدم باستمرار.
ومن أبرز الأعمال الحكيمة الجريئة التي كان يعملها المسلمون، في مواجهة الغربة المحيطة بهم: التدرج في فرض الدعوة باعتبارها أمرًا واقعًا في مكة لا يمكن تجاهله، واختطاط مجرى ثابت للإسلام.
وهذا لا يمكن أن يتم بسهولة، ولكنه يمكن أن يتم، ولنعرض الآن لبعض النماذج التي توضح ذلك؛ لتظهر النتيجة وكيف صارت قريش تنظر إلى الدعوة.
فبعد أن أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته صار المسلمون يحرصون بين الفينة والفينة أن يستعلنوا بصلاتهم، أو قراءتهم للقرآن، أو أن يعلن الفرد الداخل إسلامه على الملأ، أو أن يخرجوا في مجموعة واحدة تظهر الإسلام وتصرخ به في أرجاء مكة.
ففي حديث عائشة في قصة أبي بكر وخروجه من مكة، وإرجاع ابن الدغنة له، قالت:".. فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فينقذف إليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكّاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره،"