فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا، وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدتُ لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليّ ذمتي؛ فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخفِرت في رجل عقدت له! فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل [1] ..
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما بلغ أبا ذر مبعثُ النبي صلى الله عليه وسلم (فساق الحديث وفيه قصة إسلام أبي ذر إلىقوله) : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتى يأتيك أمري. قال: والذى نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم! فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله!.
ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه، وأتى العباس فأكبّ عليه، وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجاركم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه [2] .
وقد يظهر من صنيع أبي ذر رضي الله عنه العفوية وعدم القصد والتخطيط، ولكن هذه الحادثة وأمثالها بدأت تفرض على قريش الشعور بأن الإسلام واقع نام متزايد، لا سبيل إلى تجاهله، وإن لجت في طغيانها حينًا من الدهر.
وكان لإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين، وتوهين موقف قريش، إذ كان عمر من أشد الناس على المسلمين،
(1) سبق أول الحديث المتعلق بخروج أبي بكر من مكة ولقي ابن الدَّغِنة له، وإجارته، وهذا القدر من الرواية موجود في: البخاري: (4/ 254) ، (3/ 58 - 59) .
والمصنف لعبد الرزاق: (5/ 385 - 386) ، وهو مختصر في البخاري أيضًا: (1/ 122) .
(2) رواه البخاري في: 61 - كتاب المناقب، 11 - باب قصة زمزم:
وفي: 63 - فضائل الأنصار، 33 - باب إسلام أبي ذر (4/ 241) .
وفي: 97 - كتاب التوحيد، 23 - باب قول الله تعالى: تعرج الملائكة والروح إليه .. (8/ 177) ، معلقًا مختصرًا.
ورواه مسلم في: 44 - كتاب فضائل الصحابة، 28 - باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه رقم (133) : (4/ 1923) .
وأبو نعيم في الحلية، في ترجمة أبي ذر، رقمها (26) : (1/ 158) .
والطبراني في الكبير، رقم (12959) : (12/ 226) .
ووردت القصة عن أبي ذر نفسه رضي الله عنه في:
مسلم في: 44 - كتاب فضائل الصحابة، 28 - باب من فضائل أبي ذر رضي الله عنه رقم (132) : (4/ 1919) .
وأحمد في المسند: (5/ 174) .
وابن أبي شيبة في المصنف: كتاب المغازي، (2413) - إسلام أبي ذر، رقم (17447) ، (14/ 315) .
وأبو نعيم في الدلائل، ذكر إسلام أبي ذر: ص (207) .
وفي الحلية، في ترجمة أبي ذر، رقمها (26) ، (1/ 157) .