تركتموها لنا أو تركناها لكم [1] .. !
ولا يمكن التقليل من أهمية الحلف الذي دفع العاص بن وائل إلى حماية عمر والدفاع عنه، ولكن ثمة أمر آخر سرى في قريش كلها، هو الشعور بأهمية الإسلام، وأن القضية لم تعد قضية أفراد مستضعفين، يصهرون بالرمضاء، ويعذبون بغير حق .. فهاهم صناديد الكفر يتراجعون، ويسلمون، ويتابعون محمدًا صلى الله عليه وسلم، ثم لا يرضون حتى يعلنوها مدوية في أرجاء مكة، ويهددون قريشًا بأنهم سيفاصلونهم، ويزايلونهم، حتى يخرج الأضعف منهما من مكة!.
ولا شك أن تكرار الحادثة -أيَّ حادثة- يقلل من غرابتها ويجعلها طبعية معتادة، ويفتح أمام كثير من الأذهان مجال إعادة النظر في المواقف المعارضة المتعنتة.
وسبق إسلام عمر إسلام حمزة بن عبد المطلب - وكان عزيزًا منيعًا في قومه - فعز به الرسول صلى الله عليه وسلم وامتنع، وعرفت قريش أن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه [2] .
عن الأرقم -وكان بدريًا- رضي الله عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم آوى في داره عند الصفا حتى تكاملوا أربعين رجلًا مسلمين، وكان آخرهم إسلامًا عمر بن الخطاب رضي الله عنهم فلما كانوا أربعين خرجوا إلى المشركين [3] .
ولعل المقصود بهؤلاء الأربعين من لم يهاجر إلى الحبشة، وإلا فالمسلمون قبل عمر يزيدون على ضعف هذا العدد [4] .
وليس بدعًا أن تقع هذه المصادمات مع المشركين من عمر، فمثل عمر في قوة شكيمته، وشدة طبعه، وقوته في الحق، لا يملك السكون على الباطل ساعة من نهار، ولا يملك الصمت أو الاستسرار.
(1) سبق تخريجها قبل قليل.
(2) انظر: سيرة ابن هشام: (1/ 311 - 312) .
(3) رواه الحاكم في مستدركه، كتاب معرفة الصحابة، ذكر الأرقم بن أبي الأرقم (3/ 504) . وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأقره الذهبي.
وإسناد الحديث محتمل للتحسين: فيه أسد بن موسى وثقه النسائي وابن قانع والبزار وابن حبان وغيرهم، وقال ابن حزم: منكر الحديث وقال ابن حجر: صدوق يغرب، وقال الذهبي: ما علمت به بأسًا تهذيب التهذيب: (1/ 260) ، التقريب: (1/ 63) ، الميزان: (1/ 207) .
(4) وفيه عطاف بن خالد المخزومي قال أحمد: صحيح الحديث، وقال: ليس به بأس، وقال ابن معين: ليس به بأس ثقة صالح الحديث، وتكلم فيه مالك، وقال ابن حجر: صدوق يهم. التهذيب (7/ 221) ، والتقريب: (2/ 24) .
وفيه عثمان بن عبد الله بن الأرقم، ترجم له البخاري في التاريخ ولم يذكر جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وخلط ابن حجر في التعجيل بينه وبين عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم، وصنيع البخاري وابن حبان وغيرهما يقتضي أنهما اثنان, والله تعالى أعلم.
انظر: التاريخ الكبير: (21496) ، رقم الترجمة (2201) ، (6/ 232) ، رقم الترجمة (2259) .
والثقات لابن حبان: (7/ 198) ، (5/ 157) ، وتعجيل المنفعة: ص (282) ترجمة رقم (721) ، وذكر بعضهم أن له ترجمة في الميزان ولم أقف عليها.
(32) ... انظر: رأي ابن كثير في: السيرة له: (2/ 33) .