والإشارة إلى هذه الأحداث من إسلام عمر وحمزة، وإعلان عدد من الصحابة لإيمانهم، وفشو أخبار المسلمين، وتحولها إلى أخبار شبه مألوفة في بيئة مكة، وأنها سببت لقريش الإذعان للأمر الواقع، لا يعني أن قريشًا ألقت السلاح واستسلمت، كلا. بل لقد دعاها كبرياؤها إلى خطة أكثر خبثًا وأوسع وأشمل، وهي خطة الحصار في الشعب [1] ، ولكن هذا العمل يخفي وراءه نفسيات مهتزةَ تتخوف كل ساعة أن تفاجأ بإسلام رجل من رجالات قريش؛ بل لعل إقدام قريش على هذا العمل دليل على تضاعف شعورها بخطر الإسلام وازدياد مخاوفها منه [2] ، ولعلها الصرخة المدوية الأخيرة من قريش في وجه الإسلام الزاحف! وما بعدها إنما هي صرخات واهنة ضعيفة، أو رجع أصداء لتلك الصرخة المدوية.
ولا شك أن المتأمل يجد فرقًا هائلًا بين طبيعة المواجهة مع الإسلام في سنيه الأولى، وبينها في السنة التاسعة وما بعدها، حيث انضم عمر بعد حمزة إلى ركب الإيمان. وفشا أمر الإسلام - نسبيًا- في مكة.
4 -بيعة الأنصار، والهجرة، وبناء الدولة:
على رغم ما تقدم من نماذج ظهور الدعوة، إلا أن الطابع العام أنّ المؤمنين بالدعوة كانوا نُزَّاعًا من القبائل متفرقين، وكانوا غرباء بين قومهم يعانون من آلام الغربة ما يعانون - على مواجهاتهم السابقة لها، وتخفيفهم من حدتها-، وكان قائدهم محمد صلى الله عليه وسلم كذلك غريبًا بين أهله وعشيرته - مع حماية الله له، وانتشار دعوته بعض الانتشار؛ ذلك أن لم يكن للإيمان وطن يفيء إليه، ولا للمؤمنين قبيلة تدفع عنهم، وتحميهم. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي من أسلم من خارج مكة خاصة أن ينتظر ظهوره عليه السلام، فإذا سمع باستقراره بمهجر فليأت إليه، كما في حديث عمرو بن عبسة وأبي ذر رضي الله عنهما [3] .
(1) تقدمت في الفصل الثاني، المتعلق بمظاهر الغربة الأولى.
(2) وانظر: رواية الزهري التي تفيد أن دخول بني هاشم وبني عبد المطلب كان باختيارهم لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم: سيرة ابن كثير: (2/ 43) .
(3) وقريب منه رأي الإمام الخطابي، كما في كتاب العزلة له ص (8) .
(35) ... سبق تخريج حديث أبي ذر قبل صفحات، أما حديث عمرو فسبق في الفصل الثاني.