وكان -صلى الله عليه وسلم- معنيًا بالبحث عن قبيلة تسمح بنشر الدعوة بين ظهرانيها، أو تعلن إيمانها بالدعوة وحمايتها لها، ومن أجل ذلك كان يعرض نفسه على القبائل.
وكان من توفيق الله لدعوته أن المدينة المنورة كانت تعيش ظروفًا خاصة ترشحها لاحتضان دعوة الإسلام، وتجتمع فيها عناصر عديدة، لا تجتمع في غيرها:
(أ) منها التشاحن والتطاحن الموجود بين قبيلتي المدينة: الأوس والخزرج، وقد قامت بينهما الحرب الطاحنة كيوم بعاث وغيره.
وقد أفنت هذه الحرب كبار زعمائهم، ممن كان نظراؤهم في مكة والطائف وغيرهما حجر عثرة في سبيل الدعوة، ولم يبق إلا القيادات الشابة .. الجديدة المستعدة لقبول الحق، إضافة إلى عدم وجود قيادة بارزة معروفة يتواضع الجميع على التسليم لها، وكانوا بحاجة إلى من يأتلفون عليه، ويلتئم شملهم تحت ظله.
فكان يوم بعاث أمرًا قدمه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقدم وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، فقدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، في دخولهم في الإسلام، كما تقول عائشة رضي الله عنها [1] .
(ب) ومنها مجاورتهم لليهود مما جعلهم على علم -ولو يسير- بأمر الرسالات السماوية، وخبر المرسلين السابقين، وهم - في مجتمعهم- يعايشون هذه القضية في حياتهم اليومية، وليسوا مثل قريش التى لا يساكنها أهل كتاب، وإنما غاية أمرها أن تسمع أخبارًا متفرقة عن الرسالات والوحي الإلهي، دون أن تلح عليها هذه المسألة، أو تشغل تفكيرها باستمرار.
(1) رواه البخاري في: 63 - مناقب الأنصار، 1 - باب مناقب الأنصار (4/ 221) .
27 -باب القسامة في الجاهلية: (4/ 237) .
46 -باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة (4/ 265) .