الصفحة 120 من 583

وبنود هذه البيعة هي التي بايع الرسول صلى الله عليه وسلم عليها النساء فيما بعد، ولذلك عرفت باسم"بيعة النساء" [1] .

ولذلك جاء في رواية ابن إسحاق لحديث عبادة بإسناده: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا ... الحديث [2] .

وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم مع المبايعين مصعب بن عمير يعلمهم الدين، ويقرؤهم القرآن، فكان يسمى بالمدينة"المقرئ"، وكان يؤمهم في الصلاة [3] .

ولقد اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم عن علم بشخصيته من جهة، وعلم بالوضع القائم في المدينة من جهة أخرى، حيث كان رضي الله عنه - بجانب حفظه لما نزل من القرآن- يملك من اللباقة، والهدوء، وحسن الخلق والحكمة، قدرًا كبيرًا، فضلًا عن قوة إيمانه، وشدة حماسه للدين؛ ولذلك تمكن خلال أشهر أن ينشر الإسلام في سائر بيوتات المدينة، وأن يكسب للإسلام أنصارًا من كبار زعمائها، كسعد بن معاذ، وأسيد بن الحضير، وقد أسلم بإسلامهما خلق كثير من قومهم [4] .

ولما أقبل الموسم خرج عدد كبير من المسلمين في حجاج قومهم، وواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الذي عند جمرة العقبة، والتقى به ما يزيد على السبعين منهم لقاءً سريًا، وكانت الصورة في أذهان المبايعين أكثر وضوحًا حيث أدركوا -بعمق- معنى بيعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وأنها مفاصلة للعرب كافة؛ بل للناس كافة، وتعرض للقتال والقتل، فهى - بلغة العصر -"بيعة مصيرية".

(1) انظر: فتح الباري: (7/ 222) ، والسيرة النبوية لابن كثير (2/ 179) ، حيث قال:".. يعني على وفق ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك، عام الحديبية، وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه، ليلة العقبة، وليس هذا عجيبًا، فإن القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن .. وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر".

(2) سيرة ابن هشام: (2/ 75) ، وتاريخ الطبري: (2/ 356) ، قال ابن إسحاق،: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة.

ويزيد: ثقة، انظر: التهذيب (11/ 318) ، والتقريب (2/ 363) .

ومرثد: ثقة، انظر: التهذيب (10/ 82) ، والتقريب (2/ 236) .

وعبد الرحمن بن عسيلة: ثقة، انظر: التهذيب (6/ 229) ، والتقريب (1/ 491) . فالإسناد حسن.

(3) انظر: السيرة لابن هشام: (2/ 76) ، والسيرة لابن كثير: (2/ 180) ، وأضاف بعضهم عبد الله بن أم مكتوم، انظر الدرر: ص (39) ، وعيون الأثر: (1/ 158) .

ويشهد لمقدمهما جميعًا قول البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم فجعلا يقرآننا القرآن.

رواه البخاري في: 63 - مناقب الأنصار، 46 - باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة (4/ 263) .

وفي: 65 - كتاب التفسير، 87 - سورة سبح اسم ربك الأعلى (6/ 82) .

وعزاه المزي للنسائي. التحفة: (2/ 55)

(4) انظر: ابن هشام (2/ 77 - 80) ، وعيون الأثر: (1/ 158 - 161) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت