وأموالهم، بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، لا تزال قائمة؛ بل إنها تسير في المرحلة الجديدة جنبًا إلى جنب، مع عداوة اليهود الذين يجاورون الإسلام في المدينة، ومع عداوة المنافقين المندسين في الصف المسلم، والذين هم أحبولة من أحابيل المكر اليهودي للإسلام - في غالب أحوالهم - ولذلك بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وصوله المدينة بعقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وبناء المسجد، وعقد المعاهدة مع يهود [1] .
(أ) والمؤاخاة تعني ذوبان الفوارق القبلية بين المسلمين -من مهاجرين وأنصار- وانصهارهم جميعًا في كيان واحد، وأمة واحدة، فانتسابهم هو للإسلام قبل كل شيء.
وكان ابتداء المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في أول الاستقرار بالمدينة، واستمر يتجدد بحسب من يدخل في الإسلام، أو يحضر إلى المدينة [2] .
فهذه هي اللبنة الأولى في طريق الجهاد، وهي العاصم الأول من التفرق والتمزق، والاستجابة لنزغ شياطين الإنس والجن، إضافة إلى أن بعض المسلمين كان أقوى من بعضهم الآخر، بالمال والعشيرة، وبالمؤاخاة يرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى [3] .
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم آخى بين المسلمين في مكة، فآخى بين حمزة، وزيد بن حارثة [4] ، وآخى بين الزبير وابن مسعود [5] في نفر - غيرهم- [6] .
(ب) وبناء المسجد يعني توكيد الهدف الذي دعا الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه إلى تحمل المشاق، والهجرة في سبيل الله، وبناء هذا المجتمع، وهو تحقيق عبادة الله وحده، وهجر الرجز، وحرب أهله، وما الجهاد إلا جزء من معنى هذه العبادة؛ لتحقيق دينونة الناس لربهم، وإزالة الحواجز التي تعوق الناس عن
(1) انظر: سيرة ابن هشام (2/ 140 - 143، 147، 150، 150 - 153) ، والسيرة لابن كثير: (2/ 302 - 310، 319 - 329) ، وعيون الأثر (1/ 195 - 202) ، وانظر: دراسة في السيرة، لعماد الدين خليل ص (147 - 158) .
(2) فتح الباري: (7/ 271) .
(3) فتح الباري: (7/ 271) .
(4) كما في صحيح البخاري: 64 - كتاب المغازي، 43 - باب عمرة القضاء، (5/ 85) .
وفي: 53 - كتاب الصلح، 6 - باب: كيف يكتب: (3/ 168) .
(5) في المستدرك: كتاب معرفة الصحابة (3/ 314) ، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر: بسند حسن، وزاد نسبته لابن عبد البر، والضياء في المختارة. فتح الباري (7/ 271) .
(6) انظر: المستدرك: كتاب الهجرة (3/ 14) ، وسكت عنه هو والذهبي، ويشهد لمعناه ما سبق، وانظر: الفتح (7/ 271) ، وقد أنكر ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير المؤاخاة قبل الهجرة. انظر: منهاج السنة: (4/ 96) ، وزاد المعاد: (2/ 79) ، والسيرة لابن كثير (2/ 326) .