الصفحة 131 من 583

غزوة بدر:

وقد خرج المسلمون لاعتراض قافلة أبي سفيان التجارية، فشاء الله أن تفوتهم القافلة، وأن تخرج قريش لتقيم أيامًا في بدر، تنحر الجزور، وتشرب الخمر، وتعزف عليها القيان؛ وذلك لتدعيم مكانتها وهيبتها عند العرب.

وفضَّل كثير من المؤمنين الرجوع إلى المدينة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى غير هذا، فاستشار أصحابه، وكأنه يريد أن يستوثق من رأي الأنصار، إذ ربما يرون أن ليس عليهم نصره ومنعه إلا في المدينة ذاتها.

فرأى منهم رضي الله عنهم الاستبسال، والاندفاع، والطاعة المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح، واستبشر، وبشَّر أصحابه بالنصر المؤزر.

والتقى المسلمون -لأول مرة- وبدون استعداد كاف؛ ٍ بسبب عنصر المفاجأة، وتغير الموقف مع المشركين الذين يمثلون ثلاثة أضعافهم، وكان فيهم صناديد قريش قاطبة إذ لم يَسَع أحدًا منهم التأخر عن الخروج خشية رميه بالجبن والخوف.

إن مجرد لقاء المسلمين -مهاجريهم وأنصارهم، أوسهم وخزرجهم- للمشركين فيه معان كبيرة؛ إذ لم تعد قريش تملك فرض الغربة والكربة على من أسلم، فهاهم أولاء المستضعفون بمكة يأوون إلى المدينة، ويقيمون الدولة، ويكونون الجيش، ويصبح بمقدورهم منازلة المشركين في ساحات القتال، وليس في مواقع التعذيب والإيذاء.

وهذا الموقع الذي اختاره الله لهجرة نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحاب نبيه رضي الله عنهم هو في طريق تجارة قريش إلى الشام، فهو تهديد أكيد لتجارتها وقوافلها [1] .

وهؤلاء الأوس والخزرج الذين كانوا أقرب الناس إلى قريش، وأبغض الناس أن تثور بينهم وبينهم الحرب [2] ، ها هم يخوضونها ابتداء إلى جوار

(1) انظر: دراسة في السيرة لعماد الدين خليل ص (175 - 176) .

(2) انظر: سيرة ابن هشام (2/ 90) ، وتاريخ الطبري: (2/ 365) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت