الرسول الذي أخرجته قريش وآذته صلى الله عليه وسلم.
إن الإنسان يحتاج لكي يدرك التقدم العظيم السريع الذي أحرزته دعوة الإسلام أن يستجمع في ذهنه صورة المسلمين الغرباء المعذبين في مكة ونظرة قريش إليهم، ثم يقارنها بالصورة الجديدة: جيشين متقابلين يستعد كل منهما للقاء الآخر.
وقد شعر المسلمون بخطورة هذه المعركة، وأهميتها البالغة فشحذوا هممهم، واستجمعوا قواهم؛ لشق طريق لنصر الإسلام عبر الصخور والصعاب، يبدأ من هذا اليوم، وكان صلى الله عليه وسلم يجأر إلى الله بالدعاء حتى يسقط رداؤه، ويشفق عليه أبو بكر، وهو يقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد بعد اليوم [1] !.
وتدور المعركة، ويضرب المسلمون من أمثلة البطولة والفداء ما تعجز عن وصفه الأقلام ... وما هو إلا قليل حتى ترجح كفة المسلمين، وتدور الدائرة على المشركين، ويقتل الله سبعين من صناديدهم، ويؤسر منهم ما يقارب هذا العدد [2] .
وحين سرى هذا الخبر في الناس لم يكد يصدقه أحد، فقد قابلت قريش طلائع الخبر بالهزء والسخرية، فهي تنتظر استئصال شأفة المسلمين، كما قابله اليهود بالاستنكار والرد، ولم يكد يصدقه المسلمون المقيمون بالمدينة.
ولقد هال الناس أن ينعى إليهم في غداة واحدة سبعون، فيهم زعماء كبار، كأبي جهل، وعتبة وشيبة -ابني ربيعة-، والوليد بن عتبة، وعقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، وأبي البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، والأسود بن عبد الأسد، ونبيه ومنبه -ابني الحجاج-، وأمية بن خلف .. وغيرهم [3] .
(1) كما في حديث ابن عباس، عن عمر رضي الله عنهما وسبق تخريجه في آخر الفصل الثاني المتعلق بمظاهر الغربة.
(2) انظر: السيرة لابن كثير: (2/ 463 - 464) .
(3) كما في حديث أبي طلحة رضي الله عنه وسبق في الفصل الثاني المتعلق بمظاهر الغربة، وانظر: سيرة ابن هشام (2/ 276 - 292) ، مرويات غزوة بدر للعليمي: ص (222 - 233) وغيرها.