والأعراب المتربصين، وجعله بداية للانتصارات اللاحقة التي أحرزها المسلمون: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [1] .
ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم السابق يوحي بأهمية يوم بدر وخطورة نتائجه، فإنه لو انهزم فيه المسلمون لم تقم لهم بعد قائمة، ولو أفنيت هذه العصابة لم يعبد الله في الأرض.
وهذا مفرق طريق في شأن الغربة، فإن الإسلام كان يتمثل في هذه الجماعة المنحازة إلى المدينة الغريبة بين أمم الأرض حينئذ، وهي الجزيرة المؤمنة في بحر الوثنية والشرك، فكان انتصار بدر ترسيخًا لموقع الدولة المسلمة، وتثبيتًا لقواعدها، ودفعًا لغربتها، وغربة المضحين في سبيلها.
وهكذا يصنع الله لدينه وأوليائه الصادقين ما يحفظهم به؛ ليحفظ بهم الدين [2] .
غزوة الحديبية:
وهي تأتي في الأهمية بعد بدر، كما قال الإمام الحافظ ابن عبد البر:"ليس في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ما يعدل بدرًا أو يقرب منها إلا غزوة الحديبية ..." [3] .
وقد سماها الله تعالى: (فَتْحًا مُبِينًا) فقال: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) [4] .
وعن أنس رضي الله عنه: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا، قال: الحديبية [5] .
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يريد العمرة، وساق معه الهدي، وسار في نحو ألف وخمس مئة من أصحابه [6] ، فرفضت قريش دخوله مكة، ثم اتفقوا على الصلح بعد مفاوضات طويلة [7] .
وكان من النتائج الخطيرة لهذه الغزوة: اعتراف قريش بقوة المسلمين
(1) سورة آل عمران: رقم الآية 123.
(2) انظر في تفصيلات غزوة بدر: سيرة ابن هشام (2/ 257 - 374) ، (3/ 3 - 45) .
وكتاب: مرويات غزوة بدر لأحمد محمد العليمي، وفقه السيرة للغزالي ص (232 - 257) ، وغيرها من كتب السير.
(3) نقلًا عن: شرح ثلاثيات المسند للشيخ محمد السفاريني: (1/ 278) .
(4) سورة الفتح: رقم الآية 1.
(5) رواه البخاري عن أنس في: 64 - كتاب المغازي، 35 - باب غزوة الحديبية، (5/ 66) .
وفي: 65 - كتاب التفسير، 48 - سورة الفتح، 1 - باب إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا: (6/ 44) .
والنسائي في الكبرى، في التفسير، أفاده المزي في التحفة، حديث (1270) : (1/ 331) .
والبيهقي في السنن، كتاب الجزية، باب نزول سورة الفتح على النبي صلى الله عليه وسلم (9/ 222) .
وفي دلائل النبوة، جماع أبواب عمرة الحديبية، باب نزول سورة الفتح (4/ 157) .
(6) جاء هذا عن جابر رضي الله عنه:
رواه البخاري في: 61 - كتاب المناقب، 25 - باب علامات النبوة في الإسلام: (4/ 170) .
وفي: 64 - كتاب المغازي، 35 - باب غزوة الحديبية (5/ 63) .
وفي: 74 - كتاب الأشربة، 31 - باب شرب البَرَكة والماء المبارك (6/ 252) .
ومسلم في: 33 - كتاب الإمارة، 18 - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش، رقم (72،73) ، (3/ 1484) .
والنسائي: 1 - كتاب الطهارة، 61 - الوضوء من الإناء: (1/ 61) .
وفي الكبرى، أفاده المزي في التحفة، حديث (2242) ، (1/ 175) .
وأحمد في المسند: (3/ 329،365) .
والبيهقي في الدلائل، جماع أبواب غزوة الحديبية، باب ما ظهر من الحديبية، بخروج الماء من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم (4/ 115 - 116) .
وأبو نعيم في الدلائل، الفصل الخامس والعشرون، في فوران الماء من بين أصابعه .. ص (446) .
وابن سعد في غزوة الرسول صلى الله عليه وسلم الحديبية (2/ 98) .
(7) كما في حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم:
وقد رواه البخاري في: 54 - كتاب الشروط، 15 - باب الشروط في الجهاد: (3/ 178 - 184) .
والإمام أحمد في المسند: (4/ 323 - 326) ، وفيه زيادات. وفيه تفاصيل أحداث الحديبية.