الصفحة 136 من 583

وكيانهم حيث فاوضتهم وصالحتهم على بنود معروفة، وهذا كان له أثر عظيم على القبائل العربية التي كانت تنتظر نتيجة المعركة بين الإسلام والوثنية لتحدد موقفها.

ولذلك دخلت خزاعة - عقب الصلح - في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده، كما دخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم [1] .

وأبت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم دخول البلد الحرام على أن له أن يأتي العام القادم فيدخلها بسلاح الراكب: السيوف في القرب، لا يدخلها بغيرها [2] ، وهي تريد برد المسلمين عن مكة حفظ ماء وجهها.

وهذا الموقف زعزع مكانة مشركي قريش، وأكد أنهم ليسوا أهلًا لسدانة البيت وحمايته؛ بل هم يصدون عن المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه، إذ قد ظهر للجميع من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يأت لقتال؛ بل جاء معتمرًا، معظمًا للبيت.

وكانت سائر بنود الصلح نصرًا للإسلام في حقيقتها، وإن كان ظاهرها في صالح قريش - بادي الرأي -.

وفوق هذا فإن وضع الحرب بين الطرفين أتاح فرصة كبيرة لانتشار الإسلام، ودفع غربته، ومد سلطانه على القلوب.

فال الزهري:"فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر" [3] .

(1) كما في رواية الإمام أحمد لحديث المسور، ومروان، وانظر: سيرة ابن هشام (3/ 332) .

(2) كما في رواية الإمام أحمد أيضًا، وانظر: سيرة ابن هشام: (3/ 332) .

(3) سيرة ابن هشام: (3/ 336) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت