الصفحة 137 من 583

قال ابن هشام:"والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربع مئة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف" [1] .

ولهذه الأسباب كلها كانت غزوة الحديبية تمهيدًا طبعيًا لفتح مكة.

6 -المواجهة مع اليهود:

وقد شاء الله بحكمته البالغة أن تجاور يهود الإسلام في مقر دولته الأولى، وأن يكونوا أحد الأسباب الملحوظة لالتفاف الأنصار حول الإسلام، وبيعتهم للرسول عليه الصلاة والسلام، وقد حال الحقد، والحسد، والبغي، دون إسلام اليهود، ومتابعتهم للنبي العربي الذي يعرفون.

وبعد استقرار المسلمين في المدينة نظموا العلاقة مع اليهود منذ البداية وأذعن اليهود لحكم الإسلام وسلطانه، والتزموا بالإنفاق مع المؤمنين ما داموا محاربين، والدفاع عن المدينة ضد من دهمها، والرجوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحدث من شجار يخاف فساده والحفاظ على أمن المدينة [2] .

ولم تبرز لليهود أية مواقف مشهورة خلال التحركات الأولى في المدينة، سواء قبل الهجرة أو بعدها، فعلى علم منهم أسلم من أسلم من الأنصار، ثم بايعوا البيعة الأولى، ثم استقدموا مصعبًا؛ لتعليمهم ونشر الدين بينهم، ولم تكن جهود مصعب في نشر الدعوة لتخفى عليهم، وكان موقفهم أقرب إلى السلبية.

ولعل هذا يشير إلى وجود جفوة بين الأوس والخزرج وبين اليهود خلال تلك الفترة، جعلت تأثير اليهود أقل من أن يعوق سير الدعوة، إضافة إلى قوة شأن الأوس والخزرج، وكثرتهم، وضعف اليهود إزاءهم [3] .

وثمة سبب آخر وهو طبيعة اليهود التي تتعمد الدس الخفي، والكيد والطعن من وراء الظهور، وتبرز هذه الطبيعة في حركة النفاق، التَّي كان لليهود

(1) سيرة ابن هشام: (3/ 337) ، وانظر في غزوة الحديبية عمومًا: مرويات غزوة الحديبية للشيخ حافظ الحكمي، سيرة ابن هشام: (3/ 321 - 341) ، فقه السيرة للغزالي (348 - 367) .

(2) كما في وثيقة المؤاخاة بين المؤمنين، والموادعة مع اليهود، وقد روى هذه الوثيقة ابن إسحاق بدون سند، كما في: سيرة ابن هشام هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم (2/ 147 - 150) ومن طريقه رواه جمع من المؤلفين.

وروى بعضه: البيهقي في السنن - كتاب الديات، باب العاقلة: (8/ 106) ، من طريق ابن إسحاق: حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الكتاب .. ، واقتصر فيه على الجزء المتعلق بالمؤاخاة، وإن كان فيه إشارة إلى المعاهدة، والإسناد منقطع، كما هو ظاهر.

ورواه حميد بن زنجويه في كتاب الأموال: كتاب العهود التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأهل الصلح، برقم (750) ، (2/ 466) .

وأبو عبيد في الأموال: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين وأهل يثرب، برقم (518) : ص (193 - 196) .

كلاهما من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، أنه قال: بلغني فذكره.

وعبد الله بن صالح: صدوق كثير الغلط، ومضى.

لكن تابعه يحيى بن عبد الله بن بكير -عند أبي عبيد- ويحيى ثقة في الليث. انظر: التهذيب (11/ 237) ، التقريب (1/ 351) .

والليث، وعقيل -بضم العين- ثقتان، ومضيا.

والإسناد ضعيف لإرسال الزهري.

ورواه ابن أبي خيثمة، كما في عيون الأثر: ذكر الموادعة بين المسلمين واليهود (1/ 198) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو المزني، عن أبيه، عن جده.

والبيهقي في: كتاب الديات، باب العاقلة (8/ 106) .

وهذه الطريق ضعيفة جدًّا، ولا تصلح للاستشهاد، ولا للاعتضاد كما سبق.

وقد روى أبو داود، عن كعب بن مالك، في قصة قتل كعب بن الأشرف، وفيه: فلما قتلوه، فزعت اليهود والمشركون، فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: طُرِق صاحبنا، فقُتِل فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم، وبين المسلمين عامة صحيفة.

رواه أبو داود في: 14 - كتاب الخراج والإمارة والفيء، 22 - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة، برقم (3000) (3/ 401، 402) من طريق محمد بن يحيى بن فارس، عن الحكم بن نافع عن شعيب، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه - وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم.

ومحمد بن يحيى بن فارس، هو الذهلي: ثقة جليل. انظر: التهذيب (9/ 511) ، والتقريب (2/ 217) .

والحكم بن نافع: ثقة ثبت. انظر: التهذيب (2/ 441) ، والتقريب (1/ 193) .

وشعيب هو ابن أبي حمزة: ثقة عابد، من أثبت الناس في الزهري، انظر: التهذيب (4/ 351) ، والتقريب (1/ 352) .

والزهري: إمام حجة، ومضى.

وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب: ثقة. انظر: التهذيب (6/ 215) ، والتقريب (1/ 488) .

وأبوه هو كعب ومالك جده، كما يظهر من قوله -وكان أحد الثلاثة، وقد ثبت سماع عبد الرحمن من جده كما في التهذيب وغيره.

فالحديث -بهذا الإسناد- صحيح.

وقد رواه البيهقي في كتاب الجزية باب من لا تؤخذ منه الجزية من أهل الأوثان: (9/ 183) من طريق أحمد بن الحسن القاضي، عن أبي سهل بن زياد القطان، عن عبد الكريم بن الهيثم، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أظنه عن أبيه، وكان ابن أحد الثلاثة الذين تيب عليهم.

وأحمد بن الحسن هو الحيري: إمام ثقة. انظر: سير أعلام النبلاء (17/ 356) ، والوافي للصفدي: (6/ 306) .

وأبو سهل هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان: ثقة. انظر: السير (15/ 521) ، الوافي (8/ 34) .

وعبد الكريم بن الهيثم هو الدير عاقولي: ثقة. انظر: السير (13/ 335) ، والمنتظم (5/ 120) .

وأبو اليمان، هو الحكم بن نافع الحمصي، وسبق قبل قليل.

وعلى هذا فالرواية مرسلة؛ لأنها عن عبد الله بن كعب، وهو تابعي ويمكن ترجيح رواية أبي داود للجزم الذي فيها، خلافًا لرواية البيهقي التي فيها التردد.

ويُلحظ في هذه الرواية تأخرُ الكتابة عن بداية العهد المدني، وهذا خلاف ما عليه معظم أهل السير والمؤرخين وغيرهم.

وجمع بعضهم بين الروايتين بأن ما في رواية كعب إنما هو تجديد للموثق الأول، والله أعلم. انظر: الأموال لأبي عبيد: ص (197) ، وتاريخ الطبري (2/ 479) ، وكتاب: المجتمع المدني في عهد النبوة للدكتور أكرم ضياء العمري ص (114) .

(3) انظر ما سبق في موضوع البيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت