الصفحة 139 من 583

(أ) لأن مكة كانت معقل الوثنية الأكبر، فسقوطها يعني الإجهاز عليها، واقتحام آخر حصونها، ولقد كانت العرب تتربص ما يؤول إليه أمر قريش، فكانت غزوة الحديبية التي هزت موقف قريش، وأضعفت مكانتها، ثم كان الفتح الذي أنهى كل تردد أو شك.

(ب) ولأنها البلد الذي أُخرج منه الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون وهو الذي كان يتولى كبر الحرب لهم، طيلة تلك المدة، فدخولهم إياه فاتحين يعني إنهاء أمد الحرب مع قريش، التي طالما كابرت الحقائق، ولجت في العناد.

(جـ) ولمكة أهمية كبرى في الإسلام بحكم وجود الأماكن المقدسة، ومواضع الحج، وذكريات النبوات السابقة، وبحكم اختيار الله لها لتنزل وحيه أول الأمر (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [1] [2] .

ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ غادر مكة مهاجرًا، كان ينتظر اليوم الذي يأذن الله فيه بفتحها، ويتأكد هذا حين يوجه الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفي هذا من الدلالة ما فيه.

عن ابن عباس رضي الله عنهما - في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) [3] ، قال: إلى مكة [4] .

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الفرصة المواتية لفتح مكة، وتحريرها من سيطرة المشركين، وإعادتها إلى المؤمنين الذين هم أحق بها وأهلها.

فلما نقضت بنو بكر وقريش عهدهم، واعتدوا على خزاعة، وقاتلوهم ولم يراعوا حرمة العهد والميثاق، ولا مكانة الحرم، واستصرخت خزاعة المسلمين -بحكم الحلف [5] - استعد الرسول صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، وفرض حصارًا على خبر هذا التحرك حتى يبغت قريشًا، لضمان النصر وحقن الدماء، حتى استطاع أن يفاجئ مكة بعسكر لم تر مثله قط

(1) سورة القصص: رقم الآية 68.

(2) وانظر ما يأتي في آخر هذا الفصل في موضوع: عوامل دفع الغربة.

(3) سورة القصص: رقم الآية 85.

(4) رواه البخاري في: 65 - كتاب التفسير، 28 - القصص، باب إن الذي فرض عليك القرآن: (6/ 18) .

والنسائي في الكبرى، أفاده المزي في التحفة، حديث (6094) ، (5/ 135) .

والطبري في التفسير: (20/ 125) .

ونسبه السيوطي لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي: الدر (6/ 445) .

(5) انظر ما سبق في موضوع الحديبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت