الصفحة 141 من 583

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة متخشعًا متواضعًا متذللًا لله تعالى، حتى إذا وصل البيت حطم الأصنام، ومحا التصاوير معلنًا سقوط آخر قلاع الوثنية، وانتصار التوحيد، وبسط سلطان الإسلام على الجزيرة العربية.

وكان فتح مكة هو الضربة الأخيرة التي أجهزت على الإصرار العنيد الذي تذرع به القرشيون حينًا من الدهر، فاستيقظت عقولهم وفطرهم على أصداء هذا الانتصار الأخير، فأسلم عامتهم - لا خضوعًا للسلطان فحسب، ولكن لأن هذا الانتصار قد قشع عن نفوسهم غشاوة العناد، والتردد، والتعصب، وجعلهم أمام الحقيقة وجهًا لوجه.

وبفتح مكة أحكم المسلمون السيطرة على الجزيرة العربية -عمومًا- وزالت غربة الدين، وغربة أهله، إذ أصبحوا سادة الجزيرة، وحماة المقدسات، حتى قال صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" [1] ، وصارت جميع القبائل تسعى إليهم، وتخطب ودهم، وتفكر تفكيرًا جادًّا في الدين الذي جاءوا به، فتؤمن أنه الحق، بلا مرية، فتذعن له [2] ؛ ولهذا برزت ظاهرة الوفود، حتى سميت السنة التاسعة: سنة الوفود.

قال ابن إسحاق:"وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن قريشًا كانوا إمام الناس، وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش، ودوخها الإسلام، وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال عز وجل: (أَفْوَاجًا) ، يضربون إليه من كل وجه" [3] .

(1) سيأتي تخريجه.

(2) انظر ما سبق في أول هذا الفصل.

(3) سيرة ابن هشام: (4/ 205) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت