الصفحة 144 من 583

إن أهمية هاتين الغزوتين لا تقاس بمدى النصر المادي الذي أحرزتاه، أو النتائج العسكرية التي ترتبت عليها فحسب؛ بل إن مداها أوسع من ذلك فهي تأكيد من النبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته لما يريد أن يفعله خلفاؤه من بعده، من توسيع رقعة الدولة الإسلامية، وتنشيط حركة الفتح وإخضاع الدنيا لحكم الإسلام.

ولعل من العجيب أن يكون آخر بعث جهزه الرسول صلى الله عليه وسلم هو بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين حيث تجهز معه الناس، وأوعب معه المهاجرون الأولون [1] .

وقد قبض النبي صلى الله عليه وسلم قبل رحيل هذا البعث ليتولى تسييره الخليفة الأول، وفي هذا من الدلالة مالا يخفى.

زوال غربة الإسلام:

وفي نهاية هذا العرض العام المجمل لأهم خطوات مواجهة الغربة الأولى وإزالتها ودفعها؛ يتضح للمتأمل المسافة البعيدة التي قطعها المسلمون خلال سنين وجيزة من أعمار الأمم والجماعات، فخلال ثلاثة وعشرين عامًا -فحسب- أعلنت الدعوة، ثم ظلت حبيسة بين جوانب مكة -غالبًا- مدة ثلاث عشرة سنة، ثم أقيمت الدولة وقضي على المناوئين من المشركين، واليهود وغيرهم، وأخضعت الجزيرة لحكم الإسلام، وبدأت المحاولات الأولى للقضاء على دولتي فارس والروم وغيرهما - خلال عشر سنوات.

وهذا نصر لم يشهد التاريخ له مثيلًا، - ولن يشهد -، خاصة إذا تأملنا البعد العقدي لهذه الدولة، إذ لم تكن دولة الإسلام دولة جبروت ترسي دعائم ملكها على الجثث والأشلاء؛ بل كانت دولة رحمة وهداية ترسي دعائمها على عروش القلوب، فتلين لها النفوس وتنقاد؛ لأنها قامت لتحقيق عبودية الناس

(1) سيرة ابن هشام (4/ 291) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت