قال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة. فقال أعرابي: إنكم - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تخبروننا، فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا، ويسرقون أعلاقنا؟ قال: أولئك الفساق. أجل: لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده [1] .
وبهذا ارتفع شأن الإسلام واندحر شأن الكفر والنفاق، وتحقق للمسلمين ما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم حين كانوا يشتكون إليه أذى قريش وظلمها وتعذيبها لهم، ويقولون ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فيقول صلى الله عليه وسلم:".. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" [2] .
إن الله عز وجل لابد أن ينصر عباده المؤمنين الصادقين وهو الذي يحدد - بعلمه - الوقت الذي ينصرهم فيه، والحال التي ينصرهم عليها.
ولم يكن هذا النصر الذي منحه الله للمؤمنين مرتبطًا بشخص أو أشخاص يزول بزوالهم؛ بل إن جذوره لتضرب في الأرض، وتقاوم عوادي الحدثان، على مر العصور، وكر الدهور.
فقد ظلت دولة الإسلام - رغم ما أصابها من انحرافات - قائمة ممكنة يستظل بظلها المسلمون قرونًا طويلة، حتى إذا تمكن اليهود من الإجهاز على طليحها الفاني ظل الإسلام يشمخ برأسه عزيزًا في سائر بلاد الإسلام يمثله المؤمنون المستمسكون، والعلماء العاملون، والدعاة المخلصون، والمجاهدون المستبسلون، تصديقًا لموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقاء الطائفة الظافرة المنصورة.
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ. وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ.
(1) رواه البخاري في: 65 - كتاب التفسير، 9 - سورة براءة، 5 - باب فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم. (5/ 203) . وهذا لفظه.
ورواه النسائي في كتاب التفسير في السنن الكبرى، أفاده المزي في التحفة، رقم الحديث (3330) ، (3/ 33) .
وعزاه السيوطي في الدر لابن أبي شيبة وابن مردويه: (4/ 136) .
(2) سبق تخريجه في الفصل الثاني.