أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ. فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ. وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ. وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) [1] .
عوامل ووسائل دفع الغربة:
لقد أنشأ الرسول صلى الله عليه وسلم بفضل الله، وعونه، ومدده دولة من العدم، دانت لها الأقطار والأمم، راضية مختارة، وأقام دعوة خالدة تالدة، جعل الله العزة والتمكين لمن اتبعها وحالفها، والذل والصغار على من أباها وخالفها، وأورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض، ومغاربها، وجعل من رعاة الشاة والغنم، رعاة الشعوب والأمم.
وحين نبحث عن عوامل تكوّن هذا البناء الشامخ الماثل عبر العصور، المقاوم لعوامل الهدم والخراب، نجد أن السبب الرئيسي في ذلك هو عون الله وتوفيقه لهذه الدعوة وحملتها، لما علمه منهم من صدق السرائر، وصلاح الظواهر، والتجرد من المطامع الدنيوية، فكانوا -هم- جنده الغالبين، وعباده المنصورين، وإن الأسباب المادية والعوامل البشرية وحدها لا يمكن أن تفسِّر ما حدث أبدًا، فما حدث كان أكبر من الأسباب المادية، وأكبر من العوامل البشرية.
ولكن هذه الأسباب والعوامل تصلح أن تكون"جزءًا"-فحسب- من توفيق الله لهذه الدعوة، ورحمته لها؛ بل رحمته البشرية بها.
ولو نظرنا إلى الأسباب المادية -مجردة عن المدد الإلهي- لوجدنا أنه كان من الممكن أن تنجح خطة من خطط قريش في اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الممكن أن يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر أو غيرها كما قتل نبيون قبله، ومن الممكن أن تنكشف خطة الهجرة للمشركين، ومن الممكن أن تتداعى القبائل
(1) سورة الصافات: الآيات من 171 - 182.