الصفحة 150 من 583

مفصلًا للجوانب المهمة في الاعتقاد، والأحكام، والسلوك، محددًا للمصادر التشريعية الأخرى التي يحيل عليها.

يقول الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [1] .

ويقول صلى الله عليه وسلم:"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعانًا على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه" [2] .

هذا من حيث حقيقة هذا الدين وهذه الدعوة، أما من حيث وضوحها في عقول المؤمنين بها، وقلوبهم، فكانت في الغاية العليا - كذلك.

وذلك راجع إلى ربانية هذا الدين، حيث جاء ملائمًا للفطرة، منسجمًا معها، فبمجرد أن يصغى الإنسان لداعي الإيمان، برغبة صادقة، يشرق الإيمان في قلبه، وينهار الركام المطبق عليه.

إضافة إلى طبيعة المؤمنين، حيث لم تفسِد عقولَهم الفلسفاتُ البشرية، ولم تلوث نفوسَهم المظاهرُ المادية، وكان انحرافهم -قبل- قريبًا سهل الاندفاع، وكانوا قريبين من مصدر هذا الدين، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، والوحي يتنزل عليه بكرة وعشيًّا ولذلك كانوا أعلم الناس بالله وأطوعهم له وأبعدهم عن التكلف.

أما وضوح الدعوة لسائر الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بدعوته في وقت مبكر من الرسالة لتحقيق هذا المطلب، وأعلنها على الملأ بلا تلجلج ولا غموض [3] ، ومنذ أعلن صلى الله عليه وسلم دعوته صارت دعوة الإسلام واضحة جلية ليس فيها مجال للالتباس.

ولقد حاول المشركون - منذ البداية - إخفاء حقيقة هذه الدعوة، أو

(1) سورة النحل: رقم الآية 89.

(2) رواه الإمام أحمد: (4/ 131) ، من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا حريز بن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي (والصواب: عن عبد الرحمن بن أبي عوف) عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه.

ويزيد بن هارون: ثقة متقن عابد. انظر: التهذيب (11/ 366) ، والتقريب (2/ 372) .

وحريز هو ابن عثمان: ثقة ثبت. انظر: التهذيب (2/ 237) ، والتقريب (1/ 159) .

وعبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي: ثقة، وقيل: له صحبة. انظر: التهذيب (6/ 246) ، والتقريب (1/ 494) .

فالحديث - بهذا الإسناد - صحيح.

(3) انظر: ما سبق في موضوع الجهر بالدعوة، والعرض على القبائل، وقبلهما في موضوع الاضطهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت