الصفحة 152 من 583

للناس؛ ليحيى من حيَّ عن بينة، فيؤمن بهذه الدعوة ويناصرها عن علم وبصيرة، ويهلك من هلك عن بينة، فيحارب الدعوة ويقاومها عن علم أيضًا.

2 -أما الأنصار الملتفون حول هذا المعتقد فقد جمعوا، إلى الخصائص الفطرية، الخصائص الإيمانية.

فقد كانت الأمة التي ينتسبون إليها خير أمم الأرض -على ما أصابها من الانحراف، والفساد- وقد تحصنت بصحرائها المترامية عن زيف الحضارات المادية، وتخليطات الفلسفات البشرية، فكانت أقرب إلى الفطرة، والسلامة، من غيرها.

وقد توارثت العديد من الصفات الخيّرة، كالشجاعة، والكرم، والنجدة، والصدق، والصراحة، والغيرة.

وكان إسراع الرعيل الأول، فمن بعدهم -ممن لهم شأن وخطر في نشر الدعوة، والقيام بها- دليلًا على استيلائهم على الذروة العليا من هذه الأخلاق الكريمة، وتخلصهم من كثير من قبائح البيئة العربية.

وآية ذلك ما تحملوه في سبيل دينهم من الضر والجهد، فما ثنى ذلك من عزائمهم، ولا أضعف يقينهم، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا [1] .

ثم ما ظهر على سلوكهم وأعمالهم في الحرب والسلم، والعسر واليسر، من التأثر العميق بهذا الدين، والاستجابة التامة لله والرسول، حتى ضربوا في ذلك الأمثلة الفذة، التي يشهد التاريخ أنه لم يشهد لها مثيلًا.

وقد اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم على علم، ثم قيض لهم من أسباب التربية والبناء والتكوين، ما لم يتيسر لغيرهم.

فكانت صحبتهم لسيد المربين صلى الله عليه وسلم وبناؤهم على

(1) وقد سبق ذكر أمثلة عديدة لذلك في مواطن عديدة، كصبرهم على اضطهاد قريش، وهجرتهم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وموقف الأنصار من البيعتين وفي استقبال المهاجرين، وموقف المؤمنين -مهاجرين وأنصارًا- في المعارك الكثيرة بينهم وبين المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت