عينه، مزية وفضيلة زكت نفوسهم، وجردتها من إرادة غير الله، حتى صارت أعمالهم مضاعفة الأجور أضعافًا لا يدركها غيرهم.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" [1] .
هذا إلى ما كان من شدة العوز والحاجة إلى النفقة في زمنهم، لشدة الحال، وضيق ذات اليد، ولذلك قال تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [2] .
وكان من صنيع الله لهم -خاصة في الفترة المكية- أن وفقهم لاحتمال ألوان الأذية الحسية والمعنوية، التي كانت قريش توجهها إليهم، وكانت مما لا طوق للإنسان باحتماله، لولا تثبيت الله، وأمرهم -مع ذلك- بكف اليد، وعدم الانتصاف من المعتدين، ووجههم إلى العبادة لما فيها من المعونة على الصبر، فتحرروا بذلك من الغضب للنفس، والانتصار لها، وتجردوا من إرادة الدنيا -بجميع صورها- وتعلقوا بالآخرة، ونعيمها، وخيرها، وسلموا من ردات الفعل الضارة لدعوتهم، المفسدة لنفوسهم، وهم الذين ورثوا النخوة العربية، والثأر والشجاعة والحمية.
وإنك لتجد كثيرًا من الناس قد تثيرهم الحماسة الطائشة إلى الانتقام والانتصار، وتزين لهم نفوسهم أنهم ما غضبوا إلا لله، وما تأثروا إلا لدينه، فإذا جد الجد، وعزم الأمر، انفلت عزائمهم، ووهنت قواهم.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ
(1) رواه البخاري في: 62 - فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، 5 - باب"ضمن فضائل أبي بكر": (4/ 195) .
ومسلم في: 44 - كتاب فضائل الصحابة، 54 - باب تحريم سب الصحابة، رقم (221،222) ، (4/ 1967) (*) .
وأبو داود في: 34 - كتاب السنة، 11 - باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم (4658) : (5/ 45) .
والترمذي في: 50 - كتاب المناقب، 59 - باب رقم (3861) (5/ 695) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) وقع في مسلم - الموضع الأول، وفي ابن ماجه، وفي الفضائل للنسائي: الموضع الثاني، وفي الكبرى: الموضع الثاني: عن أبي هريرة. وقد قال خلف الواسطي، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الجياني، والمزي، وابن حجر، وغيرهم: إنه خطأ، انظر: تحفة الأشراف (3/ 343، 344) ، فتح الباري: (7/ 35، 36) .
والنسائي في فضائل الصحابة، مناقب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والنهي عن سبهم رقم (203،204) ص (179) .
وفي الكبرى، 48 - كتاب المناقب، 60 - مناقب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: (ل 109 ب) .
وابن ماجه في: المقدمة 11 - باب في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم (161) ، (1/ 57) (*) .
والإمام أحمد في مسنده: (3/ 11، 54) ، وفي فضائل الصحابة، رقم (6 - 7) ، (1/ 51) .
والخطيب في تاريخ بغداد: ترجمة رقم (3596) (7/ 144) .
وله شواهد منها:
عن جابر في تاريخ بغداد ترجمة (1180) : (3/ 149) .
وعن أنس في فضائل الصحابة للإمام أحمد رقم (8) : (1/ 53) .
ونحوه في تاريخ بغداد، ترجمة (4240) : (8/ 144) .
(2) سورة الحديد: رقم الآية 10.