قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَة مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [1] .
(ب) كمال حكمته صلى الله عليه وسلم فقد آتاه الله من وفور العقل، وبعد النظر ما لم يؤت أحدًا من العالمين.
وقد زكى هذه المنحة بكثرة المشاورة لأصحابه، والاستئناس بقولهم، والرجوع إلى رأيهم إذا رآه صوابًا امتثالًا لقوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) [2] .
وما عزم صلى الله عليه وسلم على أصحابه في أمر إلا كان الخير فيه، والضرر في خلافه.
(جـ) وضوح شخصيته وضوحًا تامًا للعدو والصديق، والقريب والبعيد قبل البعثة وبعدها، في حالة الحرب والسلم.
فقد اعترف أعداؤه الألداء في حالة عداوتهم له باستقامته، ومباعدته لأخلاق الجاهلية، وبراءته من كل ما يدنس حاشيته، كما اعترفوا بصدقه، وأمانته، وعفافه، وعزوفه عن مطامع الدنيا، والشهرة، والجاه، والرياسة، وعلموا ذلك منه علم اليقين.
فلما احتاجوا في حربهم له أن يغمزوه بما يشينه لم يجدوا شيئًا من ذلك البتة [3] ، فحاولوا أن يجعلوا من فضائله معايب، ومن محاسنه مساوئ، فصاروا كما قيل:
إذا محاسني اللاتي أدلُّ بها .. كانت ذنوبًا .. فقل لي: كيف أعتذر؟
كما حاولوا أن يلصقوا فيه ما هو منه براء، فلم يفلحوا في هذه، كما
(1) سورة آل عمران: رقم الآية 159.
(2) سورة آل عمران: رقم الآية 159.
(3) كما في قصة أبي سيفان مع هرقل حين سأله: هل يكذب؟ فقال: لا، وحين سأله: هل يغدر؟ فقال: لا، وسيأتي تخريجها.