أما عن استفادة الدعوة من عنصري الزمان والمكان:
فثمة جانب قدري إلهي لم يكن من عمل الإنسان واختياره، ولكنه من صنع الله العليم الحكيم لدعوته ودينه.
فقد أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وفي زمان طمست فيه معالم الحق، وحرفت فيه الديانات السماوية، وسيطرت على الناس النزعات المادية، والشهوات البهيمية، فكانوا أحوج ما يكونون إلى دين رباني، ينقذهم من حمأة الرذيلة والانحطاط، ويحيي فيهم الكرامة الإنسانية.
وكان العرب -أيضًا- يعانون من فساد الأحوال الدينية، والخلقية، والاجتماعية، وقد سئموا من الحروب الطاحنة، وسفك الدماء، ولم يكن لهم دين صحيح يؤمنون به، ولا شريعة يحتكمون إليها [1] ، وقد ترنحت أواصر النسب، والقربى، والرحم، أمام المعارك التي كانت تقع بين ذوي القربى، وبين الأخوين كما يقول القطامي [2] :
وأحيانًا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
وقد وصف تلك الحال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال للنجاشي: كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف [3] .
وكانت مكة -بالذات- تعاني من شدة الشره، والحرص على المال، والقسوة على الضعفاء، بسبب سيطرة الروح التجارية عليها، وقصة أبي جهل مع الأراشي معروفة [4] ، وغيرها مثلها كثير.
وكانت المدينة تعاني من النزاع المسلح بين الأوس والخزرج، الذي يهدد بالانفجار في كل لحظة، كما تعاني من خطر دخول اليهود في صراع مسلح
(1) سبق في الفصل الأول الحديث عن حال البشرية قبل البعثة، وحال العرب خاصة.
(2) هو عمير بن شُييم التغلبي، واسمه منقول من الصقر، لأن الصقر يقال له: قطامي -بفتح القاف وضمها- شاعر جاهلي. انظر: خزانة الأدب للبغدادي: (2/ 370) .
(3) جزء من حديث أم سلمة في قصة الهجرة إلى الحبشة، وقد سبق تخريجه.
(4) انظر: سيرة ابن هشام (2/ 29) .