الصفحة 158 من 583

معهم، كما كانوا يهددون بذلك [1] .

وفي ظل هذه الظروف الزمانية القدرية كانت نشأة الدعوة وكان انتقالها، واستقرارها.

وكان في اختيار الله تعالى للجزيرة، ثم لمكة، والمدينة -خاصة- مكانًا للدعوة. حكمة عظيمة.

فكانت الجزيرة بيئة صحراوية جافة، تتفشى فيها البداوة، ولم تكن مجتمعاتها مجتمعات حضرية، ولم تنشأ فيها حكومات مركزية، وكانت القبيلة هي كل شيء في نظر العربي.

ولذلك صارت حياتهم قاسية، جلبت المشقة لأصحابها، ولمن يقيم على مقربة منهم من الحضر، فهم في نزاع دائم فيما بينهم، ثم هم في نزاع مع الحواضر المجاورة.

وهذا الجانب من البيئة المكانية أفاد الدعوة بعدة أمور:

(أ) من حيث طبيعة الأتباع المؤمنين بالدعوة، والذين ولدوا وتربوا في هذه الجزيرة، فكانوا بعيدين عن فساد الحضارات، قريبين من الفطرة، سريعي القبول، واضحي الشخصية.

(ب) ومن حيث طبيعة الأعداء المناوئين للدعوة، حيث كانوا صعبي الانقياد، شديدي التنافس على الرياسة، لا تكاد تجتمع أهواؤهم على شيء، ولا تلتقي على قائد، نظرًا لطبيعة الغلظة والأنفة فيهم.

وهذه الطبيعة - وإن كانت موجودة في العربي غالبًا - إلا أن الدين يهذبها، حيث يكون الوازع لهم من أنفسهم، فيذهب خلق الكبر والمنافسة، ويسهل انقيادهم واجتماعهم [2] .

(1) كما سبق الإشارة إليه في قولهم: إن نبيًا قد جاء زمانه، نتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم.

(2) انظر: مقدمة ابن خلدون: (1/ 266) .

وانظر في البيئة الطبيعية للجزيرة العربية: السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي ص (39 وما بعدها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت