ولذلك لم تكد تجتمع القبائل وتتفق على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، بل استفاد المسلمون من هذا التناقض القبلي في مواقف كثيرة -خاصة في الفترة المكية- [1] .
(جـ) وعدم وجود سلطة مركزية كان له أثره في إضعاف مقاومة الدعوة -خاصة مع وجود التنافس القبلي-؛ ولذلك تصاب كثير من الدعوات التي تقوم في ظل حكم مركزي بالفشل، لأن الحكم المركزي يأخذ علىعاتقه مقاومة الدعوة وجمع الناس على حربها، وتسخير إمكانياته للقضاء عليها، وحال الدعوة الإسلامية تحت رقابتها وتسلطها كالذي يقول: أين المفر؟ البحر أمامكم، والعدو وراءكم!.
(د) كما كان للوضع القبلي أهمية في حركة الدعوة حيث استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستفيد من إيجابياته، ويتخلص من سلبياته.
فقد جمعت الدعوة أتباعًا من شتّى العشائر والقبائل - منذ بدايتها، وهذا يضمن عدم التصاق الدعوة بقبيلة واحدة، بحيث يدعو التشاحن القبلي إلى نبذ الدعوة؛ لأنها دين تلك القبيلة.
ثم استفادت الدعوة من تلك العصبية في حماية قائدها - خاصة في بداية أمرها - وقد تفانى بنو هاشم، وبنو المطلب، في المدافعة عن النبي صلى الله عليه وسلم بصورة مذهلة [2] ، يحكي طرفًا منها أبو طالب حيث يقول:
كذبتم - وبيتِ الله- نبزى محمدًا
ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرّع دونه
ونذهل عن أبنائنا والحلائل [3] !
ثم كان قائد الدعوة صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل
(1) كما سبق في قصة عمر، وجوار العاص بن وائل له.
(2) سبق طرف منه في حادث حصار الشعب وغيره.
(3) سيرة ابن هشام: (1/ 294) .