ذلك أن المؤمنين من هذه الأمة -من الصحابة وغيرهم- حين يسمعون خبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن منهم مَن سيحدث منه القتل، ومنهم من سيتعلَّق بالدُّنيا، ومنهم مَن سيترك الجهاد، ومنهم، ومنهم ... تتحرَّك في نفوسهم مشاعر المواجهة لهذه الفتن، ويقول كل منهم: لعلَّني أنا أنجو، ويصبح الموفَّق منهم خائفًا على الدوام أن يقع في تلك المهالك على غفلة، والخوف -في هذا الباب- من أعظم سبل النجاة، فمن خاف سلم.
د- وهي سبب لتوبة المتلبِّسين بالفتنة حين يرون من الآيات والعلامات ما يبيِّن لهم فساد ما هم عليه، وذمَّه، وإنكارَه، فيفيق الخائض في الفتنة، وتتفتَّح عيناه على أنوار نص نبوي، يحدوه إلى الإقلاع عما هو عليه، ومراجعة السَّمْت المستقيم.
هـ- والإخبار عن هذه الأمور هو جزءٌ من مهمَّة البلاغ التي كُلِّف بها النبي صلى الله عليه وسلم لعموم الأمة، حيث إن من هذا العموم مَن سيكون معرَّضًا للفتنة، محتاجًا إلى بيان شافٍ بشأنها.
الجانب الثاني:
هو التحذير الصريح المباشر من الفتن، وأسبابها، ودواعيها، سواء جاء هذا التحذير مستقلاًّ، أو جاء متَّصلًا بأخبار الفتن ووقائعها، وإذا كان التحذير يُفهم فهمًا في النصوص المتعلِّقة بالجانب الأول، فهو -هنا- نصٌّ صريحٌ واضحٌ يحذر مما أخبر أنه سيقع، وهذا مجالٌ للالتباس عند بعضهم؛ يعجبون من التحذير من أمر وقوعه محتَّم! ودفعه -بالكلِّية- محالٌ!
والفرق بين هذه النصوص الناهية عن الاختلاف، وتلك النصوص المخبرة بوقوعه _ هو الفرق بين الشرع والقدر؛ فالشرع خطاب للمكلَّفين