وعن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكَّة؛ قام حين صلَّى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أهل الكتابين افتَرقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملَّة، وإنَّ هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة -يعني: الأهواء- كلُّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تَجَارى بهم تلك الأهواءُ كما يَتَجارى الكَلَب [1] بصاحبه؛ لا يبقى منهُ عرقٌ ولا مِفْصَلٌ إلا دخله". والله - يا معشر العرب - لئن لم تقوموا بما جاء به نبيُّكم صلى الله عليه وسلم؛ لَغَيْرُكم من الناس أحرى أن لا يقومَ به [2] .
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"افترقتُ اليهود على إحدى وسبعينَ فرقةً، فواحدةٌ في الجنَّة وسبعون في النار، وافترقت النَّصارى على ثنتين وسبعين فرقةً، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده؛ لتفترقنَّ أُمَّتي على ثلاث وسبعين فرقةً، واحدةٌ في الجنة، وثنتان وسبعون في النار". قيل: يا رسول الله! مَن هُم؟ قال:"الجماعة" [3] .
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ستفترقُ أُمَّتي على بضع وسبعين فرقةً: أعظمُها فتنةً على أمَّتي قومٌ يقيسون الأمورَ برأيهم؛ يُحرِّمون الحلال، ويُحُّلون الحرام" [4] .
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"كيف أنت -يا عوف- إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: واحدة في الجنة، وسائرهن في النار؟". قلت: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال:"إذا كَثُرَت الشُّرط، وَمَلَكَت الإِماءُ، وَقَعَدَت الحملانُ على المنابر، واتُّخِذَ القرآن مزامير، وزُخْرِفَتِ"
(1) الكَلَب -بالتحريك- هو داء يعرض للإنسان من عض الكَلْب الكََِلِب، فيصيبه شبه الجنون، وتعرض له أعراض رديئة، ولا يشرب الماء حتى يموت عطشًا.
هكذا ذكر صاحب"النهاية" (4/ 195) ، وغيره.
(2) رواه: أبو داود في: 34 - كتاب السنة، 1 - باب شرح السنة، (رقم 4597) ، (5/ 5) .
-والدارمي في: 16 - كتاب الجهاد، 75 - باب في افتراق هذه الأمة، (رقم 2521) ، (2/ 158) .
-والإمام أحمد في"المسند": (4/ 102) ، وهذا لفظه.
-والحاكم في"مستدركه"في: كتاب العلم، وقال بعد سياقه وسياق حديث أبي هريرة:"هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث"، ووافقه الذهبي (1/ 128) .
-والآجري في"الشريعة": باب ذكر افتراق الأمم، (ص 18) .
-وابن أبي عاصم في"السنة": 1 - ذكر الأهواء المذمومة، (رقم 1و2) ، (1/ 7) .
وفي: 19 - باب فيما أخبر به النبي عليه السلام أن أمته ستفترق، (رقم 65) ، (1/ 33) .
-والمروزي في"السنة": (ص 14و15) ، بإسنادين، في أولهما زيادة بعد قوله:"وهي الجماعة"؛ قال:"فاعتصموا بها، فاعتصموا بها"، وليس فيها ذكر الأهواء.
-واللالكائي في"شرح أصول الاعتقاد": سياق ما روي عن النبى صلى الله عليه وسلم في الحث على اتباع الجماعة، (رقم 150) ، (1/ 101) .
-... وابن بطة في"الإبانة الكبرى": باب ذكر افتراق الأمم في دينهم، (رقم 245) ، (1/ 221) ، و (رقم 247) ، (1/ 223) .
-... وقوَّام السنة الأصبهاني في كتاب"الحجة في بيان المحجة": فصل في ذكر الأهواء المذمومة، القسم الأول، (رقم 107) ، (ص 177) .
-... ومدارهم جميعًا على صفوان بن عمرو، قال: حدثني أزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر الهوزني، عن معاوية.
-... وصفوان بن عمرو: هو ابن هرم السكسكي، وثَّقه العجلي، ودحيم، وأبو حاتم، والنسائي، وابن سعد، وابن المبارك، وغيرهم، وقال الذهبي:"وثقوه"، وقال ابن حجر:"ثقة".
-... انظر:"تهذيب التهذيب" (4/ 428) ،"الجرح والتعديل" (4/ 422) ،"التقريب" (1/ 368) ،"الكاشف" (2/ 27) .
-... وأزهر بن عبد الله الحرازي: وثقه العجلي، وابن حبان، وقال الذهبي:"تابعي حسن الحديث، لكنه ناصبيٌّ ينال من علي -رضي الله عنه-"، وقال في"المغني":"صدوق"، وقال ابن حجر:"صدوق تكلَّموا فيه للنصب".
-... انظر:"الميزان" (1/ 173) ،"التقريب" (1/ 52) ،"ثقات العجلي" (ص59) ،"الثقات"لابن حبان (4/ 38) ،"المغني" (1/ 65) .
-... وأبو عامر الهوزني: هو عبد الله بن لُحيّ-بضم اللام وفتح الحاء-: قال أبو زرعة والدارقطني:"لا بأس به"، ووثقه العجلي، وابن حبان، وغيرهم، وقال الذهبي:"ثقة"، وقال ابن حجر:"ثقة مخضرم".
-... انظر:"الجرح والتعديل" (5/ 145) ،"تهذيب التهذيب" (5/ 373) ،"التقريب" (1/ 444) ،"الكاشف" (2/ 109) .
-... فالحديث -بهذا الإسناد- حسنٌ؛ لحال أزهر بن عبد الله، لكنه صحيح بشواهده.
-... وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي -وسبقا-.
-... وجوَّده العراقي في"تخريج الإحياء"حيث قال:"ولأبي داود من حديث معاوية، وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك:"وهي الجماعة"، وأسانيدها جياد".
"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار" (3/ 230) .
وحسنه ابن حجر، حيث قال:"وإسناده حسن".
"الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" (ص 63) .
وقال ابن تيمية:"هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمرو، عن الأزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر عبد الله بن لحي، عن معاوية؛ رواه عنه غير واحد؛ منهم: أبو اليمان، وبقية، وأبو المغيرة ...".
"اقتضاء الصراط المستقيم" (1/ 118) .
(3) رواه: ابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 17 - باب افتراق الأمم، (رقم 3992) ، (2/ 1322) .
-وابن أبي عاصم في: 19 - باب فيما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق، (رقم 63) ، (1/ 32) .
-واللالكائي في: سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على اتباع الجماعة، (رقم 149) ، (1/ 101) .
وعلَّقه الحاكم في: كتاب الإيمان، (1/ 6) .
-ورواه قوَّام السنة الأصبهاني في كتاب"الحجة في بيان المحجة": فصل في ذكر الفرقة الناجية، القسم الأول، (رقم 19 - 20) (ص 26) .
-كلهم من طريق عمرو بن عثمان، حدثنا عباد بن يوسف، حدثني صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف، به.
وعمرو بن عثمان: هو ابن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي: ثقة.
انظر:"التهذيب" (8/ 76) .
وعباد بن يوسف: لم يرو عنه من الستة إلا ابن ماجه، روى عنه هذا الحديث فحسب، وقد عدَّه ابن حبان في الثقات، ووثقه ابن ماجه، وابن أبي عاصم، وقال عثمان بن صالح:"حدثنا إبراهيم بن العلاء، حدثنا عباد بن يوسف؛ صاحب الكرابيسي، ثقة"، وقال ابن عدي:"روى عن صفوان وغيره أحاديث ينفرد بها".
والذي يترجَّح - والله أعلم - أنه صدوق، حسن الحديث.
انظر:"التهذيب" (5/ 110) ،"الميزان" (2/ 380) ،"المغني" (1/ 328) ،"التقريب" (1/ 395) ،"الكاشف" (2/ 7) ،"الكامل" (4/ 1652) .
وصفوان بن عمرو: ثقة.
وراشد بن سعد: ثقة.
انظر:"التهذيب" (3/ 225) ،"التقريب" (1/ 240) ،"الكاشف" (1/ 231) .
فالحديث -بهذا الإسناد- حسن؛ لحال عباد بن يوسف.
وقد سبق ما يشهد للزيادة التي فيه -وهي:"الجماعة"- في رواية المروزي لحديث معاوية.
(4) رواه البزار؛ كما في"كشف الأستار": كتاب العلم، باب التحذير من علماء السوء، (رقم 172) ، (1/ 98) .
وعزاه الهيثمي له وللطبراني في"الكبير"؛ قال:"ورجاله رجال الصحيح".
"المجمع": كتاب العلم، باب في القياس والتقليد، (1/ 179) .
ورواه ابن عدي في"الكامل": في ترجمة نعيم بن حماد الخزاعي، (7/ 2483) .
والبيهقي في"المدخل": باب ما يذكر من ذم الرأي، (رقم 207) ، (ص 188) .
وأبو زرعة الدمشقي في"تاريخه"في: (فقرة رقم 1783) ، (1/ 622) .
وابن بطة في"الإبانة الكبرى": باب ذكر افتراق الأمم في دينها، رقم (251) ، (1/ 227) .
والخطيب البغدادي في"تاريخ بغداد": في ترجمة نعيم بن حماد، رقمها (7285) ، (13/ 307و308) .
والحاكم في"المستدرك": كتاب الفتن والملاحم، (4/ 430) ، وقال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
وابن عبد البر في"جامع بيان العلم وفضله": باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والقياس، (2/ 133و134) .
ومداره على نعيم بن حماد، عن عيسى بن يونس.
ونعيم بن حماد: وثقه أحمد، وابن معين، وغيرهم، وقال ابن حجر:"صدوق يخطئ كثيرًا ..."، وقد تتبَّع ابن عدي ما أخطأ فيه، وقال:"وعامة ما أنكر عليه هو هذا الذي ذكرته، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا".
انظر:"التهذيب" (10/ 458) ،"التقريب" (2/ 305) ،"الكامل" (7/ 2485) .
وقال عبد الغني بن سعيد:"وبهذا الحديث سقط نعيم بن حماد عند كثير من أهل العلم بالحديث، إلا أن يحيى بن معين لم يكن ينسبه إلى الكذب، بل كان ينسبه إلى الوهم"."التهذيب" (10/ 461) .
وقد تابع نعيمًا في روايته عدد؛ منهم: عبد الوهاب بن الضحاك، وسويد الأنباري، وأبو صالح الخراساني، والحكم بن المبارك، والنضر ابن طاهر.
وانظرها في:"تاريخ بغداد" (13/ 310 - 311) ، و"الكامل" (3/ 1264و 7/ 2483) ، وغيرهما.
وقال عبد الغني:"كل من حدَّث به عن عيسى بن يونس غير نعيم ابن حماد؛ فإنما أخذه من نعيم".
وقال ابن عدي:"وهذا إنما يُعرف بنعيم بن حماد، ورواه عن عيسى ابن يونس، فتكلَّم الناس فيه بجرَّاه".
قال:"... ثم سرقه قومٌ ضعفاء ممَّن يعرفون بسرقة الحديث ...".
"تاريخ بغداد" (13/ 311) ،"الكامل" (3/ 1265) ،"التهذيب" (10/ 461) .
والحديث - بهذا الإسناد - منكر.
قال أبو زرعة الدمشقي:"قلت ليحيى بن معين في حديث نعيم هذا، وسألته عن صحَّته؟ فأنكره. قلتُ: من أين يؤتى؟ قال: شُبِّه له".
وقال البيهقي:"تفرَّد به نعيم بن حماد، وسرقه عنه جماعة من الضعفاء، وهو منكر، وفي غيره من أحاديث الصحاح الواردة في معناه كفاية".
وقد سبق ذكر كلام عبد الغني.
أما تصحيح الحاكم له؛ فمدفوعٌ بأقوال هؤلاء الجهابذة، وقد عُرف تساهله الشديد في التصحيح.
-لكنَّ صدر الحديث صحيح -كما سبق وسيأتي-.