فدعت إلى دين عيسى، فأُخذَتْ، فقُتلَت بالمناشير، وحُرِّقت بالنيران، فصبرت حتى لحقت بالله، ثم قامت طائفةٌ أخرى لم تكن لهم قوة، ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال، فتعبَّدت وترهَّبت، وهم الذين ذكرهم الله فقال: (ورَهْبانيَّةً ابْتَدَعُوها مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ ... وكَثيرٌ مِنْهُم فاسِقونَ) [1] ، وفرقةٌ منهم آمنت، فهُم الذين آمنوا وصدَّقوني، وهم الذين رعَوْها حقَّ رعايتِها، وكثيرٌ منهم فاسقون، وهم الذين لم يؤمنوا بي، ولم يصدِّقونى، ولم يرعَوْها حق رعايتها، وهم الذين فسَّقُهم الله" [2] ."
وعن أبي الدرداء وأبي أُمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"... ذروا المِراء؛ فإن بني إسرائيل افتَرقوا على إحدى وسبعين فرقةً، والنَّصارى على ثنتين وسبعين فرقةً؛ كلُّهم في الضَّلالة إلا السواد الأعظم"، قالوا: يا رسول الله! ومَن السواد الأعظم؟ قال:"مَن كان على ما أنا عليه وأصحابي، مَن لم يمارِ في دين الله، ومَن لم يكفِّر أحدًا من أهل التوحيد بذنب غفر له" [3] .
وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد عن أبيه عن جده؛ قال: كنا قعودًا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، فقال:"لَتَسْلُكُنَّ سَنَن مَن قبلكم حَذْوَ النَّعل بالنَّعل، ولَتَاخُذُنَّ مثل أخذهم، إن شبرًا فشبر، وإن ذراعًا فذراع، وإن باعًا فباع، حتى لو دخلوا جُحر ضَبٍّ دَخَلْتُم فيه، ألا إن بني إسرائيل افترقت على موسى على إحدى وسبعين فرقةً؛ كلها ضالةٌ؛ إلا فرقةً واحدةً: الإسلام وجماعتُهم، وإنها افترقتْ على عيسى بن مريمَ على إحدى وسبعينَ فرقةً؛ كلها ضالة؛ إلا فرقةً واحدةً: الإسلام وجماعتُهم، ثم إنَّهم يكونون [4] على اثنتين وسبعين فرقة؛ كلها ضالة؛ إلا فرقة واحدة: الإسلام وجماعتهم" [5] .
(1) الحديد: 27.
(2) رواه الطبراني في"الكبير": برقم (10357) ، (10/ 211) .
وابن أبي حاتم في"تفسيره"؛ كما ساقه ابن كثير في"التفسير": تفسير سورة الحديد، (4/ 315) .
وابن أبي عاصم في"السنة": 19 - باب فيما أخبر به النبي ... صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق، (رقم 71) ، (1/ 35) .
كلهم من طريق هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده.
وهشام: صدوق.
والوليد: ثقة يدلس تدليس التسوية، فيلزم للحكم باتصال السند أن يصرّح هو وجميع مَن فوقه بالتحديث.
وبكير بن معروف: هو الأسدي: قال أحمد وأبو حاتم والنسائي وابن عدي:"لا بأس به"، ووثقة ابن حبان وغيره، وتكلَّم فيه ابن المبارك، وأحمد في رواية، وقال ابن حجر:"صدوق، فيه لين".
"التهذيب" (1/ 495) ،"التقريب" (1/ 108) ،"الميزان" (1/ 351) .
ومقاتل بن حيان: ثقة.
انظر:"التهذيب" (10/ 277) ،"التقريب" (2/ 272) .
والقاسم بن عبد الرحمن: ثقة.
انظر:"التهذيب" (8/ 321) ،"التقريب" (2/ 118) .
-... وأبوه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: ثقة.
-... انظر:"التهذيب" (6/ 15) ،"التقريب" (1/ 448) .
-... فالإسناد ضعيف؛ لما سبق من تدليس الوليد.
-... لكنه جاء من طريق أخرى:
-... عند الطبراني في"الكبير"برقم (10531) ، (10/ 271) .
-... وفي"الصغير": من اسمه عبد الله، (1/ 223) .
-... والمروزي في"السنة": (1) ، ص (16) .
-... وابن أبي عاصم في: 19 - باب فيما أخبر به -عليه الصلاة والسلام-، رقم (70) ، (1/ 35) .
-... والطبري في"التفسير": تفسير سورة الحديد (27/ 239) .
-... وأبي يعلى؛ كما ذكره ابن كثير في: تفسير سورة الحديد، (4/ 316) .
-... والحاكم في: كتاب التفسير، تفسير سورة الحديد، (2/ 480) ، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وتعقبه الذهبي بقوله:"ليس بصحيح؛ فإنه الصعق وإن كان موثقًا؛ فإن شيخه منكر الحديث. قاله البخاري".
-... كلهم من طريق الصعق بن حزن، حدثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سويد بن غفلة.
-... والصعق: صدوق، يهم؛ كما في"التقريب" (1/ 367) ، وسبق قول الذهبي فيه.
-... أما عقيل؛ فقال البخاري:"منكر الحديث"، وقال ابن حبان:"منكر الحديث، يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، فبطل الاحتجاج بما روى، وإن وافق فيه الثقات".
-..."التاريخ الكبير" (7/ 53) ،"كتاب المجروحين" (2/ 192) .
-... وبهذا يتبين أن قول ابن كثير في"التفسير" (4/ 316) عقب سياقه للطريق الثانية:"فقوي الحديث من هذا الوجه"فيه نظر؛ فإن رواية عقيل وأضرابه لا يكتسب الحديث بها قوة.
(3) - وقد قال السيوطي في"الدر":"أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في"نوادر الأصول"... وابن المندز ... وابن مردويه، والبيهقي في"شعب الإيمان"، وابن عساكر من طرق عن ابن مسعود (فذكره) " (8/ 64) .
(16) رواه الطبراني في"الكبير": برقم (7659) ، (8/ 178) .
-وابن حبان في"المجروحين": في ترجمة كثير بن مروان الشامي (2/ 225) .
والحديث - بهذا الإسناد - باطل؛ لأنه من طريق كثير بن مروان الشامي، وهو ضعيف جدًّا -كما سبق في الرسالة الأولى- عن عبد الله بن يزيد الدمشقي، وهو أشد ضعفًا منه؛ بل قد قال الإمام أحمد:"أحاديثه موضوعة"، وسئل أبو حاتم عنه وعن حديث رواه، فقال:"لا أعرفه، وهذا حديث باطل".
وانظر طرف الحديث المتعلّق بغربة الإسلام في الرسالة الأولى من هذه السلسلة.
(4) كذا في"المستدرك"، ولعلها:"ثم إنكم تكونون".
(5) رواه الحاكم في"مستدركه"في آخر كتاب العلم، (1/ 129) ، وقال قبل روايته:"وقد رُويَ هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن عوف المزني بإسنادين، تفرد بأحدهما عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، والآخر كثير بن عبد الله المزني، ولا تقوم بهما الحجة."
-وهذا الإسناد ضعيف جدًّا؛ لحال كثير بن عبد الله، وقد سبق بيان حاله في تخريج حديث الغربة في الرسالة الأولى.