وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه دعا رأس الجالوت [1] وأسقُف النَّصارى [2] ، فقال: إنِّي سائلِكُم عن أمر -وأنا أعلم به منكما-؛ فلا تكتماني، يا رأس الجالوت! أنشدتُك الله الذي أنزل التوراةَ على موسى، وأطعمكم المنَّ والسلوى، وضرب لكم في البحر طريقًا، وأخرج لكم من الحجر اثنتي عشرة عينًا، لكل سِبْط من بني إسرائيل عينٌ؛ إلا ما أخبرتَني: على كَم افترقت بنو إسرائيل بعد موسى؟ فقال له: ولا فرقة واحدة! فقال له عليٌّ -ثلاث مرار-: كذبتَ، والله الذي لا إله إلا هو؛ لقد افترقت على إحدى وسبعين فرقةً؛ كلها في النار إلا فرقة.
ثم دعا الأسقف، فقال: أنشدك الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، وجَعَل على رَحْلِه البركة، وأراكم العِبرة، فأبرأ الأكمه، وأحيى الموتى، وصنع لكم من الطين طيورًا، وأنبأكم بما تأكلون وما تدَّخرون في بيوتكُم، فقال: دون هذا أصدقك يا أمير المؤمنين. فقال: على كم افترقت النَّصارى بعد عيسى من فرقة؟ فقال: لا والله ولا فرقة. فقال -ثلاث مرار-: كذبتَ، والله الذي لا إله إلا هو؛ لقد افترقت على ثنتين وسبعين فرقةً؛ كلها في النار إلاَّ فرقةً.
فأما أنت -يا يهوديُّ-؛ فإن الله يقول: (وَمنْ قَوْم مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحَقِّ وَبه يَعْدلُونَ) [3] ، فهي التي تنجو.
وأما أنت -يا نصرانيُّ-؛ فإن الله يقول: (منْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصدَةٌ وَكَثيرٌ منْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) [4] ، فهي التي تنجو.
وأما نحن؛ فيقول: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [5] ، وهي التى تنجو من هذه الأمة [6] .
(1) الجالوت: اسم أعجمي؛ كما في"القاموس" (1/ 151) .
ولم أقف على تعريف برأس الجالوت، لكن من الواضح في سياق الرواية أنه من كبار زعماء اليهود في بلاد الإسلام.
(2) الأسقف: بضم الهمزة والقاف وتشديد الفاء أو تخفيفها، رئيس النصارى، وقيل: هو فوق القسيس، ودون المطران.
"القاموس" (3/ 157) .
ولعله المعبَّر عنه في الحديث الآتي بالجاثليق.
(3) الأعراف:159.
(4) المائدة: 66.
(5) الأعراف:181.
(6) رواه الإمام المروزي في كتاب"السنة": (ص 18 - 19) : من طريق يونس ابن عبد الأعلى، أنبأ ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، قال: سمعت علي بن أبي طالب: (فذكره) .
ويونس بن عبد الأعلى: ثقة، ثبت.
انظر:"التهذيب" (11/ 440) ،"التقريب" (2/ 385) .
وابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي: ثقة، حافظ، عابد.
وأبو صخر: هو حميد بن زياد المدني، أبو صخر الخراط، صاحب العباء: قال أحمد وابن معين:"ليس به بأس"، وضعفه النسائي، وابن معين في رواية، وذكر ابن عدي بعض مناكيره، ثم قال:"وسائر حديثه أرجو أن يكون مستقيمًا"، وقال ابن حجر:"صدوق يهم".
"تهذيب الكمال" (7/ 366 - المطبوع) ،"التقريب" (1/ 202) .
وأبو معاوية البجلي اختلفوا فيه: من هو؟ قال ابن حجر في"التقريب":"هو عمار الدُّهني، وإلا فمجهول الحال"، والذي يظهر أنه هو، روى عمار عن سعيد بن جبير، وروى عنه أبو صخر حميد بن زياد، ووثقه أحمد، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وقد قيل: إنه لم يسمع من سعيد.
انظر:"الجرح والتعديل" (6/ 390) ،"تهذيب التهذيب" (7/ 406) ،"التقريب" (2/ 474) ، وانظر:"التاريخ الكبير" (7/ 28) ،"الكنى"لمسلم (2/ 758) ،"الاستغناء" (2/ 683) .
وسعيد بن جبير: ثقة، ثبت.
"تهذيب التهذيب" (4/ 11) ،"التقريب" (1/ 292) .
وأبو الصهباء البكري: هو صهيب مولى ابن عباس: وثَّقه أبو زرعة، وابن حبان، والعجلي، وضعفه النسائي.
انظر:"الجرح والتعديل" (4/ 444) ،"تهذيب التهذيب" (4/ 439) ،"الاستغناء" (2/ 781) ، (3/ 1362) ،"ثقات العجلي" (ص 230) .
-فالإسناد ضعيف؛ لحال أبي صخر، واحتمال الانقطاع بين عمار وسعيد.
-... وقد رواه ابن وهب في"جامعه"؛ كما ذكر الشاطبي في"الاعتصام" (2/ 242) .
-... وقد روى ابن وضَّاح في"البدع والنهي عنها"عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال:"لا تقوم الساعة حتى تكون هذه الأمة على بضع وسبعين ملَّة، كلها في الهاوية، وواحدة في الناجية" (ص85) .
-... رواه عن أبي مروان عبد الملك بن حبيب البزار، أخبرنا إبراهيم ابن محمد الفزاري، عن العلاء بن المسيب، عن معاوية العبسي، عن زاذان، عن علي.
-... ورواه ابن بطة في"الإبانة الكبرى": باب ذكر افتراق الأمم في دينها، (رقم 253) ، (1/ 228) .
-... وعبد الملك بن حبيب: هو أحد الأئمة، كثير الوهم، اشتدَّ ابن حزم عليه، وجهَّله بعضهم، قال الذهبي:"الرجل أجَلُّ من ذلك، لكنه يغلط".
والذي يظهر أن الرجل كانت له عناية بالفقه والأدب ومجالسة الكبراء، ولم يكن مشتغلًا بالحديث، أما اتهامه بالكذب فمطَّرح مردود.
انظر:"ميزان الاعتدال" (2/ 652) ،"تهذيب التهذيب" (6/ 38) ، وانظر ترجمة مطولة له في"ترتيب المدارك"للقاضي عياض (4/ 122 - 142) .
-... أما إبراهيم بن محمد الفزاري؛ فهو ثقة إمام حافظ، يكنى أبا إسحاق.
انظر:"تهذيب التهذيب" (1/ 151) ،"التقريب" (1/ 41) .
والعلاء بن المسيب: ثقة.
انظر:"التهذيب" (8/ 192) ،"التقريب" (2/ 94) .
-أما معاوية العبسي أو القيسي؛ كما في"الإبانة الكبرى"لابن بطة، فإنني لم أجده في كتب التراجم المطبوعة التي وقفتُ عليها.
-وزاذان: ثقة.
"تهذيب التهذيب" (3/ 302) ،"الكاشف" (1/ 246)
-... وروى المروزي في"السنة" (ص19) عن إسحاق بن إبراهيم، أنبأ عطاء بن مسلم الحلبي، قال: سمعتُ العلاء بن المسيب، يحدث عن شريك البرجمي، قال: حدثني زاذان أبو عمر، قال: قال علي: يا أبا عمر: أتدري كم افترقت اليهود؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. فقال: افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة، وهي الناجية. والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة، وهي الناجية ... ياأبا عمر! أتدري على كم تفترق هذه الأمة؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة، وهي الناجية ...
-وإسحاق بن إبراهيم: هو ابن راهويه، الإمام، الثقة، الحافظ، المجتهد.
انظر:"التهذيب" (1/ 216) ،"التقريب" (1/ 54) .
-وعطاء بن مسلم الحلبي هو الخفَّاف، رجل صالح في أحاديثه بعض النكارة، وقال ابن حجر:"صدوق، يخطىء كثيرًا".
"تهذيب التهذيب" (7/ 11) ،"التقريب" (2/ 22) .
-وشريك البرجمي ذكره البخاري ثم ابن أبي حاتم دون جرح ولا تعديل، روى عنه العلاء بن المسيب، فهو على هذا مجهول.
انظر:"التاريخ الكبير" (4/ 240) ،"الجرح والتعديل" (4/ 365) .
-والعلاء بن المسيب وزاذان: سبقا قبل قليل.
-فالإسناد ضعيف لحال شريك، وعطاءٌ - وإن كان يخطىء كثيرًا - إلا أنه قد توبع في الطريق السابقة.
-فهذه ثلاث طرق عن علي - رضي الله عنه - ولكنها ضعيفة لا تثبت.
-وقد جاء في رواية حديث أنس - رضي الله عنه - في الافتراق قول يعقوب بن زيد - أحد رجال السند: وكان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا منه قرآنًا: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (الأعراف:159) ، ثم ذكر أمة عيسى، فقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (المائدة:65) ثم ذكر أمتنا، فقال: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (الأعراف:181) .