الصفحة 197 من 583

أما رواية (إحدى وسبعين) ؛ فتردُّ بضعف الحديث، مع مخالفة روايات أخرى أصح منها وأكثر، فهي مردودة حتى لو فُرِضت صحَّتُها، فكيف وهي ضعيفة؟!

وأما رواية (الثنتين والسبعين) ؛ فهي -وإن كانت أمثل من سابقتها- إلا أنهُ يُقال فيها ما يقال فيها، وعلى التسليم بصحَّتها أو حسنها يمكن أن يُقال: إنه اقتصر في هذا العدد على الفرق الهالكة، والناجية هي مكملة الثلاث والسبعين.

وإن أشكل على هذا بعض الروايات التي فصَّلَت، فذَكَرَتْ هلاك إحدى وسبعين فرقة، ونجاة فرقة واحدة [1] ، وهي روايات ضعيفة لا تقاوم تلك.

والخلاصة: أن ترجيح رواية (ثلاث وسبعين فرقة) أمر ظاهرٌ غيرُ مُشْكل.

ما هي الفرق الهالكة؟

أما تحديد هذه الفرق؛ فقد اشتغل العلماء بذلك منذ القديم، ومن أقدم مَن تكلَّم في ذلك يوسُف بن أسباط [2] ، وعبد الله بن المبارك [3] ، حيث قالا:"أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدريَّة، والمرجئة" [4] .

فقيل لابن المبارك: والجهمية؟

فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم [5] .

وعد بعضهم أصولَهم ستَّةً، فأضاف إليها الجهميَّة والجبريَّة [6] .

وأضاف إليها آخرون: المعتزلة، والمشبِّهة، والنَّجارية [7] .

وبناء على هذه الأصول اشتغل عامَّة المصنِّفين في الفرق بتعداد الثلاث والسبعين، وتفريعها على الأصول التي يراها؛ كما فعل الإمام المَلْطي في كتاب

(1) كما في"المسند" (3/ 145) ، وهي مرسلة ضعيفة كما سبق.

(2) يوسف بن أسباط بن واصل الشيباني: كان من عبَّاد أهل الشام وقرائهم، وكان لا يأكل إلا الحلال، قال العجلي:"صاحب سنة وخير". ووثقه ابن معين، وابن حبان، توفي سنة خمس وتسعين ومائة.

انظر:"سير أعلام النبلاء" (9/ 169) ،"تهذيب التهذيب" (11/ 407) ،"حلية الأولياء" (8/ 237) .

(3) عبد الله بن المبارك: الإمام، شيخ الإسلام في زمانه، أبو عبد الرحمن الحنظلي المروزي، ولد سنة ثمان عشرة ومائة، ومات سنة إحدى وثمانين ومائة، ومن سادات المسلمين وحفاظهم وشجعانهم وأجوادهم، له أخبار عجيبة.

انظر:"سير أعلام النبلاء" (8/ 378) ،"تهذيب التهذيب" (5/ 382) ،"الحلية" (8/ 162) .

(4) كلمة ابن أسباط رواها ابن أبي عاصم في"السنة": 177 - باب في الإرجاء والمرجئة، (رقم 953) ، (ص 449) .

(5) "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (3/ 350) ،"الاعتصام" (2/ 220) ، وانظر:"الحوادث والبدع"للطرطوشي (ص 31) .

والروافض: هم الذين رفضوا إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وادَّعَوْا النَّصَّ على إمامة عليّ، وكفَّروا الصحابة إلا أفرادًا معدودين، وادَّعَوا العصمة للأئمة، وهم فرق شتَّى، أوصلها بعضهم إلى ثلاث وسبعين، وحمل بعض الرافضة الحديث عليها، باعتبار أن غيرهم ليسوا من أمة الدعوة، وأوصلها بعضهم إلى ثلاث مئة!

انظر:"مقالات الإسلاميين"لأبي الحسن الأشعري، (ص 16 - وما بعدها) ،"التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع"لأبي الحسين الملطي (ص 18 - وما بعدها) ،"خطط المقريزي" (2/ 351) .

والخوارج: هم الذين يكفرّون أهل المعاصي كفرًا أكبر، بعضهم يكفّر أهل الكبائر، وكان أول ظهورهم في عهد علي بن أبي طالب عام (37هـ) ، حيث خلعوا ببيعته إذ قبل التحكيم وقاتلوه، وهم فرق شتى.

انظر:"المقالات" (ص 86 - وما بعدها) ،"التنبيه والرد" (ص 47 - وما بعدها) ،"تاريخ الطبري" (5/ 64) .

والقدريَّة: هم الذين يزعمون أن العبد يخلق أفعال نفسه، وأن الله لم يقدر شيئًا، وأول من قال بها معبدٌ الجُهَني، وقيل: غيلان الدمشقي، وقيل: سوسن النصراني.

وقد ظهرت هذه البدعة بعد منتصف القرن الأول، ووجد من القدرية من ينكر علم الله بالأشياء قبل وقوعها، ولكنهم انقرضوا كما يقول النووي رحمة الله.

انظر:"شرح أصول الاعتقاد"للالكائي (1/ 23 - مقدمة المحقق) و (3/ 534 - وما بعدها) ،"شرح صحيح مسلم" (1/ 153 - 154) .

والمرجئة: اشتهر إطلاق هذا الاسم على الذين أخرجوا العمل من مسمَّى الإيمان، وكان ظهورهم في أواخر القرن الأول، وقيل: إن أول من قال به هو غيلان الدمشقي، وهم اثنتا عشرة فرقة.

(6) انظر: مقدمة"شرح أصول الاعتقاد" (1/ 25) ،"التنبيه والرد" (ص 145 - وما بعدها) .

(35) "تلبيس إبليس"لابن الجوزي، (ص 19) ، وانظر:"الفتاوى" (3/ 351) .

والجهمية: أتباع جهم بن صفوان أبي محرز السمرقندي الترمذي المقتول سنة (128هـ) ، وقد أخذ عن الجعد بن درهم بدعة نفي الصفات، وأضاف إليها القول بالجبر، والقول بأن الإيمان المعرفة فحسب، والقول بفناء الجنة والنار، وهم ثمان فرق.

انظر:"مقدمة شرح أصول الاعتقاد" (1/ 30 - 31) ،"المقالات" (ص279 - 280) ،"التنبيه والرد" (ص96 - وما بعدها) ، وانظر:"المقالات" (ص279 - 280) ،"الملل والنحل"للشهرستاني (1/ 85 - 86) ،"نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام"للدكتور علي سامي النشار (1/ 343 - وما بعدها) .

(7) "الاعتصام" (2/ 206) .

والمعتزلة: هم أتباع واصل بن عطاء البصري المولود عام (80هـ) ، والمتوفى عام (131هـ) ، وكان تتلمذ على الحسن البصري، ثم أحدث بدعة المنزلة بين المنزلتين، واعتزله وأصحابه.

والمعتزلة يقولون بالأصول الخمسة: المنزلة بين المنزلتين، والعدل، والتوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنفاذ الوعيد.

انظر:"المقالات" (ص 155 - وما بعدها) ،"العقيدة الطحاوية" (ص 588 - وما بعدها) ،"نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام" (1/ 373 - وما بعدها) .

والمشبِّهة: هم الذين يبالغون في إثبات الصفات حتى يشبِّهون الله بخلقه، وهم من الشيعة الغالية، وممن اشتهر بذلك: داود الجواربي، وهشام بن الحكم الرافضي، وبعض أهل البدع ينبز أهل السنة بالتشبيه، وهم منه براء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت