وها نحن نجد عددًا كبيرًا من الفرق يظهر بين المسلمين بعدما انتهى بعض العلماء من تعداد الفرق، وأوصلها إلى ثنتين وسبعين، ومن تلك الفرق: القاديانية، والبهائية، والقومية، وغيرها [1] .
ولا يُعارِض ذلك أن تكون هذه الملل الحادثة مللًا كافرة؛ لأن كثيرًا ممَّن عدُّوا الفرق القديمة وأوصلوها إلى ثلاث وسبعين عدُّوا فرقًا يصدق عليها ما يصدُقُ على هذه الفرق الجديدة؛ كسائر الطوائف الباطنية: من السبئيَّة، والقرامطة، والتناسخية [2] ، وغيرها.
وسيأتي مزيد بسط لهذه المسألة بعد قليل.
الثالث: أن المتأمِّل في حديث الافتراق يلحظ الفارق العظيم بين فقه الصحابة رضي الله عنهم وبين فقه مَن بعدهم.
فالصحابة حين سمعوا هذا الخبر المؤلم عن تفرُّق الأمة واختلافها؛ بادروا بالسؤال عن الفرقة الناجية وخصائصها، وكان السائل عن ذلك عمر بن الخطاب؛ كما في حديث جابر أو غيره، فكانت عنايتهم بمعرفة الفرقة الناجية، وصفاتها؛ للتشبُّث بها، ومُباعَدة ما عداها؛ لأن معرفة الناجية تعني أن ما سواها هالكة.
أما مَن بعدهم -وخاصة ممَّن صنَّف في الفرق من المتأخرين-؛ فكثيرٌ منهم شُغِلُوا بالفرق الهالكة الضالَّة؛ يُعَدِّدونها، ويدوِّنون مقالاتها، أكثر مما شُغِلوا بتعيين الفرقة الناجية، وبيان خصائصها، والتمسُّك بها.
وليس يجوز للمسلمين أن يجهلوا سُبل المجرمين، وقد أمرهم الله باستبانتها، وكان حُذيفة يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشر؛ مخافة
(1) والقاديانية: هم أتباع ميرزا غلام أحمد القادياني، وهي نحلة حركها الاستعمار الإنجليزي في صفوف المسلمين بالهند لترويضهم على التسليم بحكم المستعمر، وإخماد روح الجهاد في نفوسهم، وقد ادَّعى زعيمهم النبوة، وأنه المسيح الموعود، وأوَّل العبادات تأويلًا باطنيًا، وكفَّر كل من لم يؤمن بمذهبه الفاسد.
وقد ألَّف العلماء كتبًا عديدة في بيان حقيقة مذهبهم، والرد عليه.
انظر:"القاديانية"لإحسان إلهي ظهير،"ثلاث رسائل عن القاديانية"للندوي والمودودي ومحمد الخضر حسين.
والبهائية: هم أتباع ميرزا حسين علي المازندراني، نشأت نحلتهم في إيران في ظل العقيدة الرافضية، والطريقة الصوفية، وكانت - أيضًا- وفية للاستعمار الروسي، وعلى علاقة صريحة بمحافله ومؤسساته، وكذلك الاستعمار الإنجليزي.
وتقوم على توحيد الأديان، والدعوة إلى ما يسمي بالسلام العالمي، وترك الحروب، والمساواة بين الجنسين.
وقد ادَّعى زعيمهم المهدية، ثم المسيحية (أي: أنه المسيح) ، ثم الألوهية، وقال: إن شريعته ناسخة لجميع الشرائع السابقة.
وقد توفي البهاء حسين علي المازندراني سنة (1309هـ)
انظر:"البهائية"لإحسان إلهي ظهير.
والقوميون: هم دعاة النعرات الإقليمية من العرب وغيرهم، ممَّن ينادون بالرابطة الوطنية، أو العرقية، ويعدونها أساسًا للوحدة، ويهدرون العقيدة الدينية، فالمسلم -عندهم- واليهودي والنصراني والعلماني تجمعهم رابطة العروبة -إن كانوا عربًا-، ولا علاقة للمسلم العربي بالمسلم غير العربي، وكان من أبرز دعاتها وشياطينها: ساطع الحصري.
انظر:"فكر القومية العربية في ضوء الإسلام"للشيخ صالح بن عبد الله العبود، الحركات القومية الحديثة في ميزان الإسلام"لمنير محمد نجيب."
(2) انظر:"التنبيه والرد"للملطي (ص 18 - 21) .
وقد عرف السبئية بأنهم أصحاب عبد الله بن سبأ، الذين يؤلِّهون عليًّا، ويقولون: أنت أنت! الخالق البارئ المصور.
ومنهم فرقة لا يؤلِّهونه، ولكن يزعمون أنه في السحاب، حي لم يمت.
ومنهم فرقة يرون أنه قد مات ولكن يبعث قبل القيامة، فيقيم القسط، ويقاتل الدجَّال.
وجميعهم يقولون بالبداء، وأن الله قد يبدو له الأمر، وهذا يعني وصفهم له بالجهل عياذًا بالله ...
أما القرامطة فعرَّفهم بأنهم يقولون: إن الله نورٌ علويٌّ تولَّد منه نور الأنبياء والأئمة، ولذلك فهم يعلمون الغيب، ويقدرون على كل شيء، ولا يعجزهم شيء.
وأنهم لا يوجبون شيئًا من العبادات، وينكرون الجنة والنار، والبعث والنشور ... ومنهم من يقول بتناسخ الأرواح.
أما التناسخية؛ فهم -كما يقول الملطي- فرقة من هؤلاء الحلولية، يزعمون أن أرواحهم متولّدة من الله، وأن الإنسان الخيّر إذا مات صار روحه إلى حيوان ناعم، ثم يرجع إلى بدن إنسان بعد مدة، وأن الإنسان الشرير إذا مات؛ صار روحه إلى بدن حمار دَبِر!! أو كلب جَرِب!! يعذَّب فيه بمقدار أيام عصيانه، ثم يرد إلى بدن الإنسان.
ولأصحاب الفرق وأرباب كتب المقالات أقوال وتفصيلات أخرى في هذه الطوائف، وإنما أردتُ التمثيل بمنهج إمام من متقدّمي الأئمة المصنّفين في أهل الفرق، وكيف عدَّهم من الطوائف الثلاث والسبعين مع ما هم عليه من الكفر.