أن يدركه [1] ، لكن هذا إنما شُرِع لأنه وسيلة للحذر من تلك المسالك، والرد على أصحابها، وسبب للزوم الجادَّة المستقيمة، فلا يصلح أن يطغى على الأصل الذي هو معرفة الكتاب، والسنة، ومنهج الأنبياء والمرسلين والتابعين لهم بإحسان، وليس من المقبول أن نشتغل بالوسيلة عن الغاية.
وأهم ما ينبغي معرفته عن طرائق أهل الضلالة: العلم بالأصول التي ينطلقون منها، والمناهج التي يسلكونها، ومعرفة أسباب زيغها وانحرافها، والرد عليها، وبيان فسادها، أما التعمُّق في أقاويلها، وتفصيلاتها، والفروق الدقيقة بينها؛ فلم يكلِّفْنا الله به، ولقد جرَّ على المسلمين أضرارًا عديدة؛ منها: أنه اضطرَّهم إلى القول في فرعيات مسائل، وفي جزئيات لم يأت بها نصٌّ، ولم يتكلَّم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصحابُه، ولو أنهم أتَوْا على أصول تلك المذاهب والفرق، وردُّوها، وأبطلوها؛ لكان ذلك إبطالًا لسائر أقاويلهم، إذ إن سقوط الأصل يستلزم سقوط الفرع.
وهذا هو المنهج الذي عليه كثير من المتقدِّمين ممَّن عاصروا البدع وعاشوا زمن قوَّتها ونشاطها؛ كالإمام أحمد [2] ، والآجُرِّي [3] ، واللالكائي [4] ، وابن بطة [5] ، وغيرهم.
هل هذه الفرق كافرة:
وهذا سؤال يطول حوله الجدل ما بين مكفِّر يرى أن حكم الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم بالهلاك يعني أنها كافرة مخلَّدة في النار، وقد يحتجُّ بما ورد في شأن الخوارج؛ مما يدلُّ بظاهره على عموم تكفيرهم وخروجهم من الدين. وما بين مضلِّل لهم ومفسِّق دون أن يصل به الأمر إلى تكفيرهم وإخراجهم من الملة والحكم بخلودهم في النار [6] .
(1) سيأتي تخريج الحديث بعد قليل.
(2) الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي: أبو عبد الله، الإمام حقًّا، وشيخ الإسلام صدقًا، ولد سنة (164هـ) ، وطلب العلم صغيرًا، فحفظ وحدَّث وبرع في الفقه والحديث والزهد والصبر، ومواقفه في حفظ السنة معروفة، مات رحمه الله سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله أخبار طويلة.
انظر:"سير أعلام النبلاء" (11/ 177 - 358) ،"حلية الأولياء" (9/ 161 - 233) ،"مناقب الإمام أحمد"لابن الجوزي، وغيرها.
(3) الآجُرِّي: هو الأمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرِّي البغدادي، كان إمامًا عاملًا صاحب سنة واتِّباع، له مصنفات في الشريعة، وأخلاق العلماء، وأخلاق حملة القرآن، وغيرها، توفي سنة (360هـ) .
انظر:"تاريخ بغداد" (2/ 243) ،"طبقات الحفاظ" (3/ 139) ،"وفيات الأعيان" (4/ 292) .
(4) اللالكائي: هو هبة الله أبو القاسم بن الحسن بن منصور الرازي الطبري اللالكائي، من مشاهير أئمة أهل السنة، صنف كتاب"شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكتاب"السنن"، وغيرها، وتوفي رحمة الله سنة (418هـ) .
انظر:"تاريخ بغداد" (14/ 70 - 71) ،"سير أعلام النبلاء" (17/ 419) ،"تذكرة الحفاظ" (3/ 1083) .
(5) ابن بطة: هو أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الحنبلي، ولد سنة (304هـ) في عكبرا، وهي بليدة على دجلة فوق بغداد بخمسة فراسخ، وطلب، ورحل، وحدَّث، وألَّف، ومن أشهر مؤلَّفاته:"الإبانة الكبرى"، و"الإبانة الصغرى"، المعروف بـ"الشرح والإبانة"، توفي سنة (387هـ) .
انظر:"طبقات الحنابلة"لابن أبي يعلى (2/ 144 - 153) ،"المنتظم" (7/ 193 - 197) ،"المنهج الأحمد"للعليمي (2/ 81 - 86) .
(6) انظر في تفصيل هذه المسألة:"الاعتصام" (2/ 246 - وما بعدها) ،"فتح الباري" (12/ 294و299 - 303) ،"فتاوى شيخ الإسلام" (3/ 350 - 354 و7/ 217 - 218) ،"شرح النووي على مسلم" (7/ 158 - 174) ،"الحوادث والبدع"للطرطوشي (ص35 - وغيرها) .