والحق أن الحديث لا دلالة فيه على التكفير؛ لأن الوعيد بالنار لا يقتضي الخلود فيها، وقد توعَّد النبي صلى الله عليه وسلم بالنار على كثير من الذنوب والمعاصي التي لا يختلف أهل الحقِّ على عدم التكفير بمجردها؛ كإباق العبد من مواليه، وإتيان المرأة في دُبُرها، وقتال المسلم، والرغبة عن الآباء وترك الانتساب إليهم ... وغيرها كثير.
كما أن عدَّه لهم من الأمة يعني أنهم مسلمون -في الجملة- حيث سمَّاهم من هذه الأمة، والأصل أن المسلم باق على إسلامه، لا يخرج منه إلا بيقين.
ولهذا كان القول الصحيح أن جملة أهل الفرق من المسلمين؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية [1] رحمه الله:"... وكذلك سائر الثنتين وسبعين فرقة، مَن كان منهم منافقًا؛ فهو كافرٌ في الباطن، ومن لم يكن منافقًا؛ بل كان مؤمنًا بالله ورسوله في الباطن؛ لم يكن كافرًا في الباطن، وإن أخطأ في التأويل؛ كائنًا ما كان خطؤه، وقد يكون في بعضهم شعبة من شعب النِّفاق، ولا يكون فيه النِّفاق الذي يكون صاحبه في الدَّرك الأسفل من النار."
ومَن قال: إن الثنتين وسبعين فرقة كل واحد منهم يكفر كفرًا ينقل عن الملة؛ فقد خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ بل وإجماع الأئمة الأربعة وغير الأربعة، فليس فيهم من كَفَّر كل واحد من الثنتين وسبعين فرقة، وإنما يكفِّرُ بعضهم بعضًا ببعض المقالات" [2] ا. هـ."
والقول بأن جملة أهل الفرق من المسلمين هو الذي تؤيده النصوص؛ كما أنه هو الذي يطمئنُّ إليه عقل المؤمن وقلبُه، فالمسلم مجبولٌ على حبِّ الخير للناس، والحرص على نجاتهم، وليس من اليسير عليه أن يسارع في نبزهم بالكفر، والحكم عليهم بالخلود المؤبَّد في نار السعير؛ إلا حين يكون
(1) شيخ الإسلام: هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، المولود سنة (661هـ) بحران، قدم دمشق مع أهله، وتلقى العلم عن الأكابر، وسمع"المسند"والكتب الستة و"معجم الطبراني الكبير"وغيرها، وحفظ القرآن، وكان آية في الحفظ والذكاء وسيلان الذهن، وانتهت إليه الإمامة في العلم والعمل والزهد والورع والشجاعة والكرم والجلالة، والمهابة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
له مواقف مشهورة مع التتر والمصيريين وسائر المبتدعة.
وله مصنَّفات عظيمة حافلة؛ منها:"درء تعارض العقل والنقل"، و"الجواب الصحيح"، و"الاستقامة"، وغيرها.
توفي رحمه الله في سجن القلعة سنة (728هـ) .
انظر:"العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية"لابن عبد الهادي.
(2) "الفتاوى" (7/ 217) .