ويدافعون عنها، ويَخلُفَهم في أزمان أُخَرَ مَن لا يملكون القدرة نفسها التي كان يملكها أولئك، ولا يستطيعون أداء المهمة التي أدوها نفسها، وذلك في أوقات استحكام الغُربة واشتدادها.
وقد يوجد في مناوئيها في ذلك الوقت -أو في غيره- أكابر ينشرون مذاهبهم بالجهد العلمي أو العملي، ويردُّون على مخالفهم، ويقارعونهم باللسان أو بالسنان، أو بهما معًا.
كما أنه يوجد في هذه الفرقة -مهما بلغت من الفضل، والعلم، والدين- أخطاء، وزلاَّت، وسقطات، وهفوات، ويوجد في داخلها نزاعات، واختلافات، ومشاحنات، ومشاجرات؛ سنة الله في عباده، (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا) [1] .
ويكفي أن ننظر إلى تاريخ هذه الفرقة؛ لنُدْرك أن هذا أمرٌ طَبَعِيٌّ، فِطريٌّ، لا ينفك عن البشر [2] .
إذًا؛ فتمييز هذه الفرقة الناجية من بين الفرق الهالكة هو من نوع تمييز الإسلام عن سائر الأديان، ومعرفة أحقِّيته من بينها لا يتم إلا بجهد الإنسان وتفكيره ونظره.
ومن خلصت نيَّته في طلب الحق، وتجرد من الهوى والعصبيَّة، واجتهد وسعه، ولم يألُ، وسلك في هذا الاجتهاد السبيل الصحيح والمشروع؛ فإنه يوفق إلى معرفة الحق واتِّباعه، ولو حصل له نوع خطإٍ -بسبب قصور فهمه، أو غفلته-؛ فهو إن شاء الله من الخطإ المغفور.
الفرقة الناجية هي الجماعة، والسواد الأعظم، وما كان عليه الصحابة:
وحين ننظر في أحاديث الافتراق؛ نجد أنه قد ورد فيها وصف الفرقة
(1) الأحزاب: 62.
(2) وقد يتخلى بعض الناس عن طَرْق مسائل الخصومة التى بعث الأنبياء بيان الحق فيها، ويرَكِّزون على مسائل الاتفاق العملية؛ من العبادات، والأذكار، والرقائق، ونحوها، فتضعف لديهم أسباب النزاع، ويتوهَّمون أن هذا من كمال الاتِّباع والاقتداء والصلاح، وينسون أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كان يحدُثُ بينهم الشجار والخصام، وقد ترتفع الأصوات في المسجد، وقد يهجر أحدهم الآخر، وكان يوجد بينهم -على الدوام- قضاة لفضِّ الخصومات والمنازعات.
ولا يمكن أن يزعم زاعمٌ أنه بلغ من الهداية والصلاح ما لم يبلغه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ادَّعى ذلك؛ كان من الضَّالين.