الصفحة 214 من 583

فحققت -بهذا وهذا- أكمل صورة يمكن أن يحققها البشر، واستطاعت أن تحفظ للإسلام قوَّته ومكانته؛ بل وأن تزيد من توسُّعه وانتشاره، فلم يكونوا غرباء في وقتهم؛ لأنهم هم الأمة الحاكمة المسيطرة، ولم تكن الفرقة الناجية غريبة؛ بل كانت السواد الأعظم -واقعًا ومنهجًا- وكانت البدع ضعيفة، وأهلها مستخفون، والصولة والجولة كانت للسُّنة وأهلها [1] .

وإذا كان الصحابة رضي الله عنهم حقَّقوا هذه الصورة العظيمة التي كان فيها الحق هو المهيمن الحاكم، وبه يدين المؤمنون جميعًا؛ فإن الأجيال التي جاءت وتجيء بعدهم، وتسعى إلى اقتفاء آثارهم، وملازمة طريق النجاة؛ قد تحقق صورة (شبيهة) بتلك الصورة المثالية، فيوجد السلطان والقرآن والاتباع في جماعة شريعة واحدة، يحكمها إمام شرعي، يحكم بالكتاب والسنة.

وقد تحقق (أجزاء) أو (جزءًا) من تلك الصورة -فحسب-:

أ- فقد يوجد سلطان مسلم منحرف، يحمل الناس على انحرافه، ويوجد بإزائه قومٌ من (أهل العلم والفقه والدين) ؛ ينابذون هذا الانحراف، وينكرونه؛ كما حدث أيام الإمام أحمد مع المأمون [2] .

ب- وقد توجد (جماعة العلماء والفقهاء) ، ولكن لا يوجد الإمام المسلم الحاكم بشرع الله، كما يقع في أيام الاضطرابات والفتن، التي تخلو الأرض فيها من حاكم مسلم، سواء التفَّ حول العلماء سوادُ الناس وجمهورهم، أو باعدوهم واتبعوا أمر دعاة الفتن والضلالة.

جـ- وقد لا يوجد هذا ولا ذاك، فلا يوجد الإمام المسلم -حتى ولو كان مبتدعًا أو عاصيًا-، ولا يوجد العلماء والفقهاء المعروفون بالسنة والاتباع.

(1) سيأتى في أواخر هذا المبحث الحديث عن أهل الحديث، وأهل السنة والجماعة، باعتبارهما مسميين للفرقة الناجية.

(2) المأمون: هو عبد الله بن هارون الرشيد العباسي القرشي الهاشمي، أبو جعفر، ولد سنة (170هـ) ، وتولى الخلافة بعد مقتل أخيه الأمين سنة (198هـ) ، واستمر فيها عشرين سنة وأشهر، وكان فيه تشيُّع واعتزال وجهل بالسنة، وفي عهده اشتهرت مسألة القول بخلق القرآن، وفتن عليها العلماء، ومع هذا كله كان فيه شهامة وقوة ومصابرة للأعداء من الروم وغيرهم، توفي سنة (218هـ) بطرسوس.

انظر:"البداية والنهاية"لابن كثير (10/ 311) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت