والحديث -حديث الافتراق والفرقة الناجية- وغيرها يلزم المسلم أن يحقِّق من الصورة المثالية الكاملة -صورة الجماعة، والسواد الأعظم، وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- بقدر ما يستطيع، ويتعامل مع واقعة الذي يعيشه بحسبه.
فإن وجد الجماعة والإمام؛ لزمهم، وإن وجد الإمام المخالف للسنة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ لزم طاعته في طاعة الله، وخالفه في انحرافه وبدعته، وإن وجد جماعة أهل الفقه والعلم والحديث؛ لزمهم واتَّبعهم، وإن لم يجد هذا ولا هذا؛ دعا إلى الحق، وإقامة الجماعة والسلطان، فإن لم يطق ذلك؛ اعتزل الفرق الضالة المنحرفة الهالكة، ولو أن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت وهو على ذلك؛ كما في حديث حذيفة رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
فقلتُ: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرٍّ؟
قال:"نعم".
قلتُ: وهل بعد هذا الشر من خير؟
قال:"نعم، وفيه دَخَنٌ" [1] .
قلتُ: وما دَخَنُه؟
قال:"قومٌ يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتُنْكِر".
قلتُ: فهل بعد ذلك الخير من شر؟
قال:"نعم؛ دعاةٌ إلى أبواب جَهَنَّم، مَن أجابهم إليها قَذَفوه فيها".
قلتُ: يا رسول الله! صِفْهم لنا.
(1) الدَّخن: هو الكدورة وعدم الصفاء.
"النهاية" (2/ 109) .