قال:"هم من جِلْدتنا، ويتكلَّمون بألسنتنا"
قلتُ: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟
قال:"تلزم جماعة المسلمين وإمامَهم".
قلتُ: فإن لم يكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟
قال:"فاعتزل تلك الفرق كلَّها، ولو أن تَعَضَّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" [1] .
فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمر حذيفة رضي الله عنه بلزوم جماعة المسلمين، ولزوم إمامهم، وهذا يشمل ما إذا كان العلماء والفقهاء هم أهل الحكم والسلطان، وكذلك إذا كان السلطان في غيرهم من المسلمين الذين يحكمون بشرع الله.
وهو يدلُّ على أن المرء لو لم يجد إلا أحد الأمرين من الجماعة أو الإمام؛ وجب عليه لزومه، ولذلك قال حذيفة:"فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام"؛ يعني: فُقِدَ الأمران معًا.
فهذه ثلاثة أحوال: أن توجد الجماعة والإمام، أو توجد الجماعة فحسب، أو يوجد الإمام فحسب، والحال الرابع ألا يوجد جماعة ولا إمام، وهي الحال التي تشرع فيها العزلة [2] .
إذًا؛ فالفرقة الناجية في أكمل صورها هي ما كان عليه الصحابة، وهي الجماعة، وهي السواد الأعظم، فإذا قَلَّ الخير في الأمة وضعف؛ تفرق في طوائف عديدة منها؛ كالعلماء المتبعين للسنة، والأمراء الملتزمين بشرع الله في حكوماتهم، ولو كان فيهم هوى وبدعة.
ومن أجل تمييز الحق من الباطل، وبيان من يستحق أن يوصف بأنه
(1) رواه البخاري في:61 - كتاب المناقب، 25 - باب علامات النبوة في الإسلام، (4/ 178) .
وفي: 92 - كتاب الفتن، 11 - باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة، (8/ 93) .
ومسلم في: 23 - كتاب الإمارة، 13 - باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين، (رقم 51 - 52) ، (3/ 1475 - 1476) .
وابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 13 - باب العزلة، حديث (رقم 3979) (2/ 1317) مقتصرًا على قوله:"يكون دعاة على أبواب جهنم ..."الحديث.
وحديث (رقم 3981) ، (2/ 1317) بلفظ:"تكون فتن على أبوابها دعاة إلى النار، فأن تموت وأنت عاضٌّ على جذل شجرة خير لك من أن تتبع أحدًا منهم".
وأبو عوانة في"الصحيح المسند": كتاب الأمراء، باب الخبر الموجب الاعتصام بالإمام والجماعة في الفتنة، (4/ 474و475) .
ورواه بلفظ آخر، وإسناد مختلف، وفي أوله قصة: أبو داود في: 29 - كتاب الفتن والملاحم، 1 - باب ذكر الفتن ودلائلها، (رقم 4244 - 4247) ، (4/ 444 - 448) .
والنسائي في"الكبرى"في: 47 - فضائل القرآن، 27 - الأمر بتعليم القرآن واتباع ما فيه (ل:105/أ) .
وفي: 28 - الأمر بتعليم القرآن والعمل به (ل:105/أ) .
وهو فى"الفضائل"المطبوع، في البابين المذكورين، برقم (57 و58) ، (ص 84 - 85) .
وأحمد في"المسند" (5/ 386 و 403) ، وفي (406) مختصرًا.
وعبد الرزاق في: باب لزوم الجماعة، (رقم 20711) ، (11/ 341) .
وابن أبي شيبة في: كتاب الفتن، (2449) ، من كره الخروج في الفتنة وتعوَّذ منها (رقم 18960 - 18961) ، (15/ 908) ، و (رقم 18980) (15/ 17) مختصرًا.
والحاكم في"المستدرك"كتاب الفتن والملاحم (4/ 432) ، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
(2) سيأتى الحديث عن العزلة -مفصلًا- في الكتاب الرابع من هذه السلسلة بإذن الله.